رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: البرهان.. الرهان الجديد

 

0 أخيراً يبدو أن الرئيس البرهان وصل إلى قناعة مفادها أن الرهان على الموقف الأمريكي لن يحمي السودان من الضغوط والعقوبات.. وأن الولايات المتحدة لن تغير سياستها تجاه السودان لمجرد تغيير الأشخاص أو الحكومات.. وعرف في قرارة نفسه ان ترمب وبايدن ومسعد وحتي ايلون ماسك والعمدة محمداني سيان.. وقد ظهرت هذه القناعة بوضوح خلال زيارته للمناقل عندما خاطب المواطنين في مسجد المدينة العتيق وقال إن العقوبات قد تفرض على البلاد، لكنه أكد في الوقت نفسه أن (ربنا أقوى منهم والشعب أقوى منهم).
0 وتأكد هذا الاتجاه أكثر خلال حديثه في حفل تخريج ضباط الشرطة امس.. عندما جدد حديثه عن احتمال فرض عقوبات على السودان.. لكنه شدد على أن ذلك لن يضعفهم أو يكسر إرادتهم، وأن أرواحهم ومصيرهم بيد الله.. ومن جلسة مجلس الأمن امس يفترض أن يدرك البرهان أن السياسة الأمريكية تجاه السودان لم ولن تتغير بصورة سواء كان هو الرئيس أو المشير عمر البشير.
0 الرؤية الأمريكية تجاه السودان تقوم على ثلاثة نقاط من بينها توصيف الحرب باعتبارها صراعاً بين جنرالين.. والسعي إلى إعادة (القحاتة الرباطة) إلى المشهد السياسي تحت مظلة الحكم المدني.. إلى جانب الاستمرار في سياسة العقوبات والضغوط، وربما توسيع نطاق القيود لتشمل المجال الجوي السوداني بصورة أكبر.. هذه هي السياسة التي تتعامل بها واشنطن مع عدد من الدول بما فيها بعض الدول الصديقة لها في منطقة الخليج.. وإن اختلفت الأدوات والوسائل ودرجات الضغط من دولة إلى أخرى.. وفي النهاية تهدف هذه السياسة إلى إضعاف قدرة الدولة على الحركة وإبقائها في حالة من الاستنزاف، بما يجعلها دائماً بين خطر (الترنح) وعدم القدرة على التقدم.
0 لكن في انتباهة البرهان الجديدة أياً كان اسمها أو توصيفها.. مكسب كبير يتمثل في أنه “قنع من خيراً في القحاتة”.. وانتقل من مربع دعوتهم للعودة والمشاركة والتخلي عن المليشيا الإرهابية إلى توجيه رسائل مباشرة وقوية إليهم.. بدأت بوصفهم بالمقيمين في الفنادق وتصفيقهم للعقوبات.. قبل أن يغلق الباب أمام عودتهم إلى حكم السودان من جديد.. ولم يحتاج البرهان إلى استخدام عبارات أكثر حدة لوصف موقفهم، فقد كانت رسائله الأخيرة كافية لإيصال ما يريد وان العمالة والارتزاق يليق بهم.
0 الأهم أن البرهان أصبح أكثر ميلاً إلى تأكيد انحيازه للشعب السوداني.. وهو ما ظهر في حديثه خلال احتفال الشرطة عندما قال.. إن الشعب لن ينكسر وإن الانكسار والخذلان سيكونان من نصيب من راهن على غير الشعب.. كما سبق أن قال في المناقل: (ربنا أقوى منهم والشعب أقوى منهم).. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض تفاصيل هذه المواقف.. فإن الانتقال من حالة التردد إلى اتخاذ مواقف قوية وحاسمة يمكن أن يساعد في رسم خارطة طريق جديدة.
0 المرحلة المقبلة لن تكون سهلة ولذلك لا ينبغي أن يتحمل الرئيس وحده مسؤولية مواجهة الضغوط الخارجية.. فالعقوبات إن فرضت لن تتوقف آثارها عند البرهان وإنما ستنعكس على الدولة والمواطن والاقتصاد،. ولذلك يجب أن تكون هناك مسؤولية جماعية في التعامل معها.. لكن هذه المسؤولية يجب ألا تتحول إلى فرصة للاستثمار السياسي أو الشخصي في الأزمة كما فعل صحفيون في معركة الكرامة.. أو مثلما حذّر معتمد بولاية شرقية أمريكا للمرة الأخيرة إبان حكم الإنقاذ.
0 يجب أن تبدأ القيادة مواجهة ضغوط واشنطن أولاً بتوحيد الجبهة الداخلية وجمع الصف بعيداً عن سياسة الإقصاء.. فالشعب السوداني يملك من الخبرة والقدرة على التمييز ما يجعله قادراً على معرفة من يعمل لمصلحته ومن يستغل الظروف لتحقيق أهدافه.. واعتقد إن فكرة إقامة البرلمان في الوقت الراهن تحتاج إلى مراجعة ودراسة متأنية.. لأنها قد تفتح الباب أمام صراعات جديدة حول المناصب والنفوذ.. وقد تمتد هذه الصراعات إلى الولايات والإدارة الأهلية. وقد شهد السودان مثل هذه التجارب حتى في فترات كانت فيها الانقاذ أكثر قوة وسيطرة.
0 إذا كان الهدف من تشكيل البرلمان هو تمهيد الطريق لتنصيب البرهان.. فهناك خيارات أخرى من بينها إجراء تعديلات على الوثيقة الدستورية.. وتعيينه رئيساً انتقالياً لفترة محددة يتم خلالها تشكيل حكومة قوية ليست كحكومة كامل وإعادة بناء مؤسسات الدولة ثم التوجه نحو انتخابات ولو كانت رئاسية.
0 ثانياً ان يكون المسار أمنياً وعسكرياً من خلال السعي الجاد إلى دمج الحركات المسلحة.. ونزع السلاح وإنهاء المظاهر العسكرية غير الضرورية في الولايات.. وخاصة في العاصمة إلى جانب تقوية الشرطة وتطوير قدراتها وإعادة تقييم أدائها.
لان استقرار الدولة لا يقوم على الجيش وحده ويحتاج أيضاً إلى شرطة قوية وفاعلة وقادرة على حفظ الأمن وتطبيق القانون.
0 ثالثاً وفي الجانب الخارجي يجب رفع مستوى الاهتمام بالدول الصديقة والمؤثرة في المنطقة وفي مقدمتها المملكة السعودية وقطر وتركيا.. بحيث ينبغي أن تتجاوز العلاقات معها الجانب السياسي.. إلى الاستثمار والتجارة والتنسيق الأمني والدبلوماسي.. مع جعل الملف الأمريكي حاضراً في النقاشات مع هذه الدول والاستفادة من علاقاتها الواسعة مع واشنطن والدوائر الدولية.. وهذا يتطلب في الوقت نفسه إعادة تفعيل وزارة الخارجية
0 رابعاً خاص بالتعامل مع الولايات المتحدة نفسها حيث يحتاج إلى مراجعة شاملة للوجود السوداني هناك.. فبعثة السودان في نيويورك تحتاج إلى تقييم وتحديث وتشكيل بعثة قوية تمتلك رؤية واضحة وقدرة على التواصل والتأثير.. وذلك بالاستفادة من الدبلوماسيين أصحاب الخبرة والكفاءة.. لاجراء التقييم واقترح لها المندوبين السابقين السفراء بجانب سفراء عملوا بالبعثة في فترات مختلفة..كما أن السفارة السودانية في واشنطن تحتاج إلى مراجعة شاملة لطريقة عملها.. بما يضمن وجود فريق سياسي ودبلوماسي قادر على التواصل مع مراكز البحوث والإعلام والدوائر السياسية الأمريكية.
0 خامساً في الجانب الأمني من المهم رسم سياسة واضحة للتواصل مع وكالة الاستخبارات الأمريكية والاستفادة من فرص التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.. نعلم ان هناك تواص قديم لكن مهم يتم ذلك بواسطة فريق يمتلك الخبرة السياسية والقدرة على التواصل والتفاوض.. وليس الاعتماد فقط على إجادة اللغة الإنجليزية..
0سادساً كذلك يجب الاهتمام بملف الاستثمار والتجارة.. من خلال إنشاء فريق متخصص يضم أصحاب الكفاءة والخبرة.. للقيام بمهمة إعداد مشروعات سودانية حقيقية ومجدية وتسويقها للشركات الأمريكية.. أو للشركات العالمية التي تضم مستثمرين أمريكيين مع تقديم التسهيلات والحوافز المناسبة.. الخطوة اكبر من قدرات وزيرة التجارة محاسن يعقوب وأمين عام الجهاز القومي للاستثمار احلام مهدي.
0 ومهما يكن من أمر.. المطلوب هو بناء دولة قوية من الداخل تمتلك قرارها وتعرف كيف تدير علاقاتها مع الخارج.

الثلاثاء 25 أغسطس 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!