رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: لجنة كامل الكارثية

 

0 في وقت ينتظر فيه السودانيون حلولاً حقيقية لأزمة اقتصادية خانقة أثقلت كاهلهم.. بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنية وضعف الإنتاج.. وتراجع القدرة الشرائية أعلنت الحكومة أمس تدشين اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد. ومنذ تشكيل حكومة كامل إدريس اتسم أداؤها بغياب الرؤية والضعف.. لذلك لا نتوقع الكثير من لجنة منحت اختصاصات تكاد تشمل كل شئ.. بدءاً من السياسة المالية والنقدية مروراً بالإنتاج والتجارة والاستثمار والطاقة.. وصولاً إلى الأمن الغذائي والتحول الرقمي والإصلاحات الهيكلية.
0 هذا الاتساع الكبير في اختصاصات اللجنة سيجعلها أقرب إلى منصة للنقاش.. منها إلى أداة تنفيذ فعالة كما سيحولها إلى جسم بيروقراطي ضخم يفتقد القدرة على التركيز.. ويؤدي إلى إضعاف الرقابة المؤسسية وتقليص دور الوزارات والمؤسسات المختصة ويحولها إلى مجرد منفذة لقراراتها.. كما ان اللجنة ستسلب المؤسسات الدستورية والتنفيذية القائمة صلاحيتها .. على رأسها وزارة المالية وبنك السودان.
0 إن تشكيل هذه اللجنة يمثل قراراً كارثياً لأنه سيؤدي إلى تداخل خطير في الصلاحيات مع الجهات التنفيذية الأخرى.. كما أن مهامها تنفيذية وليست تنسيقية وهنا تكمن المشكلة إذ ستصدر القرارات وتفرض توجهاتها على بقية المؤسسات.. مما يضعف دورها ويخلق ازدواجية في صناعة القرار الاقتصادي.
0 الأكثر غرابة في لجنة كامل الكارثية هو وجود البنك المركزي.. وهو الجهة المسؤولة عن السياسة النقدية وضبط التضخم.. وإدارة السيولة والحفاظ على استقرار العملة.. وبالتالي فإن إقحام السياسة النقدية في دائرة التجاذبات التنفيذية سيؤدي لإضعاف قدرة البنك على اتخاذ قرارات فنية مستقلة.. وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود السيطرة على التضخم واستقرار سعر الصرف.
0 ولا يخالجني أدنى شك في أن اللجنة ستورط البنك المركزي في تمويل العجز عبر طباعة النقود.. وهي سياسات تمنح الحكومة متنفساً مؤقتاً.. وتوحي بتحسن الاوضاع الاقتصادية لكن المواطن يدفع ثمنها لاحقاً من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة.. فضلاً عن ان مهام اللجنة عبارة عن قائمة طويلة من الأهداف.. التي تبدو أقرب إلى برنامج إنقاذ شامل.. (خفض التضخم، تثبيت سعر الصرف، تحقيق النمو، زيادة الإنتاج، دعم الأمن الغذائي، رفع الصادرات، وجذب الاستثمار).
0 السؤال كيف ستتحقق كل هذه الأهداف في اقتصاد يعاني من الحرب.. وضعف الموارد وعجز الموازنة.. ونقص النقد الأجنبي وتراجع الإنتاج ؟. ليس كل ما يرغب فيه كامل ادريس يمكن تحقيقه في وقت واحد.. فهو يريد ادارة الاقتصاد بالأمنيات لا الحسابات الدقيقة.. فزيادة الإنفاق الحكومي قد تدعم النمو لكنها تزيد التضخم.. وتثبيت سعر الصرف سيصبح مكلفاً لعجز الحكومة في دعمه بإنتاج وصادرات حقيقية.
0 هناك خطر آخر في (لجنة كامل الكارثية) يتمثل في أن تتحول إلى تعقيدات ادارية جديدة تستهلك الوقت والجهد دون نتائج.. كلما زاد عدد المشاركين في صناعة القرار طالت دورة الموافقات وأصبحت القرارات أبطأ.. وفي حال بلادنا التي تواجه أزمات يومية في الأسواق والإنتاج والمعيشة.. فإن التأخير بحد ذاته يصبح تكلفة اقتصادية.. كما أن غياب آليات واضحة للمساءلة يمثل أحد أبرز مواطن الضعف في تشكيل اللجنة.
0 أتوقع في ظل عجز الحكومة ان تلجأ عبر هذة اللجنة إلى تسييس القرارات.. وذلك باتخاذ قرارات تهدف إلى تهدئة الشارع مؤقتاً.. مثل تثبيت الأسعار بصورة شكلية.. أو تقديم دعم واسع دون موارد حقيقية.. أو التدخل الإداري في الأسواق.. لكن المواطن نفسه سيدفع الثمن لاحقاً عندما تظهر الأزمات.. في شكل ندرة وارتفاع أكبر في الأسعار وانفلات في السوق (الموازي)
0 مما يثير الاستغراب أن اللجنة تعلن سعيها إلى استعادة ثقة المستثمرين والقطاع الخاص.. لكن خلا تشكيلها من الأجسام الموثرة في الاقتصاد الحقيقي من رجال الأعمال والمزارعين والمصدرين. فالاقتصاد يتطلب إشراك من يعملون في السوق ويعايشون تحدياته اليومية.. لأنهم يملكون القدرة على تشخيص المشكلات واقتراح الحلول العملية.
0 كما أن تركيز القرار الاقتصادي في المركز يحمل مخاطر إضافية.. فليس من المنطقي أن تمر كل القرارات عبر لجنة واحدة مما يعطل المبادرات المحلية.. ويجعل المؤسسات تنتظر التوجيهات بدلاً من المبادرة.. جاء الإعلان عن اللجنة محملاً بالكثير من الوعود الكاذبة.. كما عودنا كامل منذ قدومه ومنها توحيد القرار الاقتصادي ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات ومعالجة الاختلالات التي تعاني منها البلاد.. لكن المشكلة أن السودانيين سمعوا مثل هذه الوعود من قبل.
0 لا تحتاج البلاد إلى لجنة لإدارة الاقتصاد وانما إلى تنسيق بين المؤسسات الاقتصادية.. فاسباب الأزمة غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة وضعف القدرة على اتخاذ القرار وأزمة سياسات.. وغياب القرار الاقتصادي القادر على مواجهة الحقيقة.. واستمرار إدارة الاقتصاد بعقلية ردود الأفعال.. وضعف المؤسسات وغياب المسؤولية..
0 إن البلاد في حاجة إلى إدارة اقتصادية مختلفة تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام استقلال المؤسسات.. الاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات قوية وقواعد واضحة وليس إلى مزيد من المراكز التي تتنافس على النفوذ.. فالمواطن السوداني ينتظر اقتصاداً يتعافى وأسعاراً تستقر وعملة تستعيد قيمتها.. وحكومة تثبت أن لديها القدرة على الفعل.
0 ومهما يكن من أمر.. للأسف هذا غير متوفر في كامل إدريس ولا حكومته.

الأربعاء 5 أغسطس 2026 osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!