أسامه عبد الماجد يكتب: البرهان والاسئلة المقلقة

0 استوقفتني الحفاوة الزائدة بجولة الرئيس البرهان مؤخراً في سوق السجانة وبعض أحياء الخرطوم، في وقت تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس للعاصمة لأول مرة منذ توليه منصبه.. الغريب أن لا مبرر فعلي لتزامن الزيارتين، خصوصاً مع وجود عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر في الخرطوم.. صحيح أن زيارات الكبار تعكس مؤشرات للتعافي وتُطمئن الناس بأن الحياة تعود تدريجياً، لكنها تحتاج إلى ترتيب وتخطيط محكم.. وأن تُبنى على أهداف واضحة، حتى وإن لم تُعلن صراحة.
0 الزيارات التي تفتقر للرسائل المحددة تتحول إلى طقوس مكررة.. تناول كوب شاي، مصافحة عابرة، صورة “سيلفي”، وقُبلة على خد الرئيس.. وبالتالي لن تترك أثراً سياسياً أو معنوياً يُذكر.. لن يُرضي هذا الحديث أولئك الذين يرون في البرهان محصناً من ابداء الملاحظات.. ويروجون الي ان جولاته اهدافاً في “التمنيات”.. رغم أن بعضها تم في لحظات “التسلل السياسي”.. وتجدهم مغرمون باطلاق الاسماء البديلة وكأنه السوباط او الكاردينال ويضفون عليه لقب “الكاهن”.
0 ما نحتاجه فعلاً أن تتحول تحركات البرهان من مشاهد عابرة إلى أدوات تواصل فعالة، تحمل رسائل واضحة للرأي العام المحلي والدولي، كما كان يفعل المشير البشير.. حين كان يحدد خلال خطاباته المرتجلة في ظاهرها رسائل إستراتيجية تتلقفها الصحافة وتنقلها بوضوح… وبعضها كان يُعد بواسطة فريق عمل.. حتي المسجد كان البشير ينتهز الفرصة ليصدر من خلاله توجيهاته ويحسم امر ما.. مثل اتفاق (نافع / عقار) المبرم في 2011 والغاه من على منبر مسجد النور يوم الجمعة.. وكان قد وصل البلاد حينها قبل ساعات قادماً من الصين.. اذكر مرة واحدة للبرهان اطلق فيها تصريحات حادة.. كانت في إطار رده على نقد مباشر من الشيخ د. عبد الحي يوسف.
0 لكن غير ذلك، تظل جولاته تحتاج الى ترتيب اكثر.. في وقت تعج فيه الساحة بشائعات عن تباينات في مستويات عليا.. واكثر من رأي بشأن سير العمليات العسكرية.. وسهام تنتاش جهاز المخابرات.. لم يكن مطلوباً منه الرد على كل إشاعة، لكن ظهوره في مقر الجهاز أو لقاء معلن مع مديره الهمام أحمد مفضل كان كفيلاً بتبديد الغموض، خاصة أن الجهاز يمثل اليوم خط الدفاع الأخير في دولة يهددها التفكك.
0 الأمر لا يتوقف عند الداخل، فهناك حراك دولي ملحوظ، ومشبوة ومريب وضغوط من واشنطن و(الرباعية) ، وأحاديث عن تواصل مباشر مع مسؤولين سودانيين، وكلها قضايا مصيرية تتطلب من الرئيس أن يُدلي بدلوه، بوضوح وحزم. وعلى رأس تلك الملفات، كذلك العلاقة الملتبسة مع الإمارات، والتي لم تعد تحتمل الغموض أو التردد.. أما سياسة “قتل الوقت” – أو ما يمكن تسميته بتجميل “الحفر بالإبرة” – فهي وصفة لفقدان ما تبقى من أوراق القوة، في وقت لم يعد فيه الصمت فضيلة، بل صار عبئًا. كنا نأمل أن يشكل تحرير الخرطوم لحظة تحول حقيقية في مسار الحكم، لكنها ضاعت كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.
0 ومهما يكن من امر.. يكتفي الرئيس بإظهار قبضته القوية، التي لن تبقى ممدودة إلى الأبد، طالما استمرأ الصمت وتجاهل الأسئلة المقلقة.
الخميس 24 يوليو 2025
osaamaaa440@gmail.com




