رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: “شماعة” رجال الأعمال

 

0 في ظل الضائقة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد وارتفاع الدولار مقابل الجنيه.. وأزمات الوقود والخبز وغلاء المعيشة يتجه البعض إلى تفريغ غضب الشارع في رجال الأعمال والتجار.. وكأنهم المسؤولون وحدهم عن تدهور الأوضاع بينما الحقيقة أن الحكومة تتحمل المسؤولية الأساسية في هذا التردي المريع من عجز في إدارة الاقتصاد.. وفشل في وضع السياسات وتوفير البيئة المناسبة للإنتاج والاستيراد ومراقبة الأسواق.
0 إن الحملات المسعورة ضد رجال الأعمال وتحديداً العاملين في قطاع الوقود – بالمناسبة تنصلت الحكومة عن اتفاقيات مع بعضهم – قد تدفع المزيد منهم إلى نقل استثماراتهم إلى الخارج.. في وقت تفتح فيه دول أفريقية وآسيوية أبوابها أمام رؤوس الأموال السودانية.. وقد رأينا اهتمام رواندا بالمستثمر الدكتور مأمون حميدة على مستوى الرئيس بول كاغامي واهتمام الرئيس الجنوبي سلفاكير برجل الأعمال عبد الله الجراري والرئيس البوروندي بعبد الله خلف الله.. إلى جانب وجود رجال أعمال سودانيين في موريتانيا وتركيا وماليزيا والسعودية وسلطنة عمان وغيرها من البلدان.
0 تدرك هذه الدول أن المستثمر شريك في التنمية ومحرك للنمو.. وخلق فرص العمل وليس خصما ينبغي محاربته أو النظر إليه بعين الحسد كما نرى.. ويقدم النموذج المصري مثالا على أهمية بناء علاقة إيجابية بين الدولة وقطاع الأعمال تقوم على التعاون وتبادل المصالح المشتركة.. فالحكومة المصرية تتيح المجال لرأس المال الخاص للمساهمة في الصناعة والطاقة والخدمات ضمن قواعد منظمة تدعم الاقتصاد.
0 ومن اللافت حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على اللقاء برجال الأعمال والاستماع إليهم ومناقشة أفكارهم في أجواء تجمع بين الجدية والبساطة.. وقد رأينا في مقاطع فيديو مبذولة جانبا من هذه اللقاءات مازح فيها السيسي رجل الأعمال امبراطور العقارات في الشرق الأوسط هشام طلعت.
0 ليس من العدل أن “يعم الشر ويخص الخير” أو أن يتحول كل رجل أعمال إلى متهم لمجرد انتمائه إلى قطاع الأعمال.. او محاوله وصمه بموالاة الامارات تلك الاسطوانة المشروخة فرجل الأعمال يحق له العمل في أي دولة ولا يمكن تقييده .. اما من يثبت تورطه في الاحتكار أو التلاعب بالأسعار أو الإضرار بالاقتصاد.. فالقانون كفيل بمحاسبته بالأدلة والإجراءات العادلة دون تعميم الاتهامات أو التحريض علي مصادرة امواله وممتلكاته.. فالحكومة عجزت عن ملاحقة اموال واصول عصابة أولاد دقلو الارهابية المتمردة فكيف لها بملاحقة رجال أعمال بالشبهات.
0 لا ننكر أن بعض رجال الأعمال اختاروا تصفية أعمالهم أو تجميد مصانعهم وتجارتهم.. وظلوا بعيدين عن دعم البلاد والجيش رغم الحاجة الماسة إليهم.. لكن في المقابل هناك عدد مقدر من رجال الأعمال وقفوا إلى جانب القوات المسلحة.. ودعموا معركة الكرامة بقوة وساهموا في توفير السلع واحتياجات المواطنين.. رغم مخاطر الحرب وصعوبات العمل.. ونحن نعرف معظمهم وسيأتي يوم نذكرهم فيه بالاسم.
0 لست في موقف الدفاع عن رجال الأعمال لكن من العدل أن ننصف الكثيرين منهم.. خاصة الذين عادوا إلى الخرطوم وشكلت عودتهم دعماً قوياً لمشروع العودة الطوعية.. حتى إن أحدهم استضاف رئيس الوزراء وبعض الوزراء عندما لم تكن للحكومة مقار للإقامة أو مكاتب.. لكن هناك رجال أعمال زادت ثرواتهم بشكل كبير خلال الحرب وتدور حول بعضهم شبهات.. بأن هذه الأموال تعود للباغي الشقي حميدتي وهناك من يستغل علاقاته بالمسؤولين وبعض الصحفيين والنساء لعقد صفقات كبيرة ومشبوهة بعضها تم تحت ستار معركة الكرامة.. بينما حقق آخرون ثروات من تجارة الذهب والدولار.. وبقليل من الجهد من السلطات المختصة يمكن الوصول اليهم في هدوء تام.
0 السودان اليوم في ظل حكومة تعاني من شح الموارد وضعف الإمكانات.. أحوج ما يكون إلى شراكة حقيقية مع رجال الأعمال لا إلى فتح جبهة جديدة معهم.. فبدلاً من مطاردتهم او تأليب الرأي ضدهم يمكن للحكومة الاتفاق معهم على توفير الوقود والدقيق والدواء.. مقابل تسهيلات واضحة وإجراءات سريعة مع رقابة صارمة تمنع الاحتكار والتلاعب والمغالاة في الاسعار.. ومحاسبة كل من يقصر حتى و كان لرجل الاعمال شراكة مع شركات القوات النظامية.. وليس هناك رجل أعمال (كبير) على الحكومة.
0 وهذا ما فعلته الإنقاذ مع رجل الأعمال أسامة داوود عندما حاول الضغط عليها في ملف الدقيق.. ففاجأته ووجهت له صفعة بتأسيس شركة سين للغلال – التي تحتاج لمراجعة – في خطوة قوية أجبرته على إعادة حساباته.. ان العلاقة المتوازنة تعني أن توفر الحكومة الأمن والقوانين الواضحة وحماية الحقوق.. مقابل أن يلتزم رجال الأعمال بالشفافية والمنافسة العادلة وتوفير السلع.. وأن يكون المواطن هو المستفيد الأول من هذه الشراكة.
0 لذلك من واجب الحكومة والسلطات المختصة مراجعة أوضاع هذه المجموعات.. والتحقق من مصادر أموالها ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون، دون الإضرار برجال الأعمال الشرفاء أو التأثير سلباً على بيئة الاستثمار والأعمال.. إن مسؤولية الحكومة لا تسقط بسبب أخطاء بعض التجار .. كما أن أخطاء الحكومة لا تبرر تجاوزات القطاع الخاص.. المطلوب محاسبة المخطئ وحماية رجل الأعمال الملتزم ومراجعة السياسات التي ساهمت في الأزمة.
0 مخطئ من يعتقد ان الحكومة يمكن ان تستعيد هيبتها بتخويف رجال الأعمال أو مصادرة أموالهم بالترهيب او الضغط بواسطة بعض الاقلام.. على الحكومة ان تحسن إدارة ملفاتها الاقتصادية وان تفرض القانون وتشجع الإنتاج وتعمل على توفير احتياجات المواطنين.. الحكومة لا تحتاج إلى تصفية حسابات مع رجال الأعمال وعليها ان تدير الاقتصاد بكفاءة.. وتهيئ للقطاع الخاص بيئة آمنة للعمل وشراكة عادلة تجعل مصلحة المواطن فوق الجميع.
0 إن شماعة رجال الأعمال لن تستر عجز الحكومة عن إدارة الاقتصاد.. وتغطي عورتها ولن توفر للمواطن خبزاً أو وقوداً.. المطلوب دولة تفرض القانون على الجميع وتحاسب الفاسد وتحمي رجل الأعمال الشريف.. وليس تخويفهم ولا تبرئة المخطئين.
0 ومهما يكن من أمر .. لم نسمع ان حكومة ما قوية لأنها طاردت رؤوس الأموال.

السبت 24 اكتوبر 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!