الروائي الفلسطيني اسامه الاشقر يكتب عن شهيد (مسيرة جبيت) حاتم المأمون

حاتم الذي بقيت عينُه فينا

رحل حاتم المأمون، وقضى إلى ربّه شهيداً إن شاء الله، فقد عاش أيامه الأخيرة مقاتلاً في الإعلام العسكريّ، وفي مهمة حسّاسة تتقاطع مع الميدان دائماً إذ هو طيّار يتحّكم في مسار هذه الطائرات الصغيرة التي تستطلع وتستكشف وتلتقط اللحظة الساكنة والمتحركة، وتوثّق حال المكان حيث هو .
كان حاتم ما زال في أول فورة شبابه يتدفّق حيويّة وحماسةً، وقد كان في لهفة للتعرّف على زملائه الذين سبقوه في مسيرة البرنامج الكبير الذي ما زال حاضراً في ذاكرة السودانيين “أرض السمر”، كان يريد أن يتعلم أكثر، ويعرف أكثر، ويسافر أكثر، ويبدو أنّه تلقّى الكثير من النصائح حينها حول التعامل مع إدارة الفريق، فكان لا يتكلم إلا قليلا، ولا يناقش في طبيعة التكليفات، ولا في مناسبة مواقيت الأسفار والأعمال لظروفه، إذ كانت الأسفار قطعة من العذاب حقّاً، لأنك لا تعلم متى تعود، وستكون في ظروف غير محسوبة في اكتشاف مناطق لم تدخلها الكاميرا من قبل، ولا توجد فيها طرق مأهولة، كما لم نكن نعلم أين كنّا سنقيم في أيام الرحلة إلا عند وصولنا، وفي كل يوم لنا حكاية كنّا نعانيها، وكان يتكفّل بها في العادة منتج البرنامج التنفيذي الذي كان أكثر الرحلة بين إبراهيم فزع أو مجدي علي.
دخل علينا حاتم المأمون بابتسامته الناصعة الصافية التي كانت علامةً تميّزه، وكان في عينيه بريق ذهبيّ رآه قبلنا الأستاذ الكبير سيف الدين حسن، واختاره رغم حداثة تجربته ليكون مساعد تصوير، ثم جعله مصوّراً، ثم دفعه للتعامل مع شغفه بالتصوير وحبّه للمغامرة وحرصه على التعلّم لتطوير مهاراته في تصوير “الدرون”، وكثيراً ما كان يرسله في مهمات وحده لتمهيد اللقطات التأسيسية أو تصوير لقطات في موسم مختلف عن موسم تصوير فريق أرض السمر، فلقطات الصيف غير لقطات الشتاء غير لقطات الخريف والربيع.
كان حاتم المأمون طاقة متجددة تتسم بالمبادرة والجرأة والحسم الذي لا تردد فيه، فكان أشبه ما يكون بالعسكريّ الذي يؤدّي كل التزاماته بأقصى إتقان يمكنه أن يصل إليه، وقد كان يحسّن من أدائه ويطوّر نفسه حتى ركب راحلته، وبات له طريقته الخاصة، وزواياه التي يعرف كيف يدخل منها إلى عالم التصوير وخيال المحاكاة.
ومن ألطف الحكايات التي نرويها في مبادرته أننا كنّا مرّة في ميناء كوستي البرّي، وكنا تحت شجرة “عرديب” عملاقة، تعود إلى مئات السنين، وكان أعلاها عشّ كبير لطائر “السِّمْبِر” الأسود المبيضّ المهاجر، ولم تستطع الدرون أن تلتقط صورة مناسبة له لفزعه من صوتها الزنّان وتركه للعشّ كلما سمع الصوت، فعرَض الأستاذ سيف الدين مكافأة لمن يصعد أعلى الشجرة ويزرع في العش كاميرا صغيرة تراقب حياة السمبر مع بيضه في عشّه، وكان يعلم أن هذه المهمة شبه مستحيلة لأن السمبر يختار أعشاشه في مواضع عالية جداً، ويأخذ في حساباته ألا تصل إليه الأيادي، فضحكنا لمّا قبل حاتم التحدّي، وسخرنا من مبادرته، وظلّ يحاول الوصول إلى قمة الشجرة السامقة حتى زرع الكاميرا، ثم كان عليه أن يعود ثانية لجلبها، وكانت مفاجأة عظيمة ، ولقطة باهرة ما زلنا نذكرها؛ وله معنا ذكريات ضاحكة في غابات الدندر ونحن نعدّ الطعام بما يتوفر من أدوات بدائيّة، وعندما كانت قرود البابون تقتحم علينا معسكرنا، وكيف كان يحاول أن يأخذ لزعيمها “التِقِل” صوراً خاصّة توثّق قيادته للهجوم على طعامنا وإخافتنا بجحافل قروده.
ظلّ حاتم في النصف الثاني من رحلة أرض السمر من أركان هذا الفريق، فكان معنا في ولايات كردفان وفي ولايات دارفور، وشاركنا في رحلات إلى الشمالية والجزيرة وسنّار والنيل الأزرق، وظل الأستاذ سيف الدين حسن يكلفه بالمهمة تلو الأخرى، حتى بات واحداً من أقرب المصورين إليه، وانضم إلى ثلة من أروع المصورين الذين وصلوا إلى النجومية المهنية فصاروا يُطلَبون بالاسم في القنوات الاحترافية.
برحيل المهندس حاتم مأمون فقدنا عيناً من عيون السودان الذهبيّة التي انتقلت من توثيق الجَمال في السودان إلى توثيق الأمان في هذا البلد الذي يتعرّض إلى هذا الاجتياح الآثم، وقد أحزن فراقُه وجعاً شديداً في نفوس معارفه وأصحابه وأهله، وعزاؤهم جميعاً أنّه كان ممن يتطلّع إلى عودة الأمن والاستقرار إلى بلده، ويناضل في سبيل ذلك، وأنّه ترك لنا ميراثاً رائعاً من تصاويره المبدعة المتحركة التي حكت صورة السودان في زمان كان يحلم فيه السودانيون ببلاد سعيدة آمنة مستغنية.
رحم الله حاتم المأمون، وتقبله في الشهداء، وأكرم وفادته، وألهم أهله الصبر والسلوان
* مؤرخ وروائي فلسطيني، مستشار سياسي بمركز الراصد للدراسات راوي سلسلة أرض السمر السودانية




