أسامه عبد الماجد يكتب: تيار الطريق الثالث

0 ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تقديم إجابة مقنعة لسؤال جوهري ظل يؤرق كل سوداني.. لماذا لم تتشكل الدولة السودانية منذ البداية بالصورة التي تحقق الاستقرار والشرعية؟.. وهو سؤال يبرز بقوة في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طلت تحاصر السودان منذ سنوات والى يومنا هذا.. وقد جاءت محاولة الإجابة من خلال مبادرة (المشروع الوطني.. نتشارك المستقبل) التي أعلنها (تيار الطريق الثالث) وهو تيار يقوده عدد من المستنيرين ورجال الأعمال.. بما يغلق أبواب التكسب على ابواب السلطة ولعل السودانيين اليوم أحوج ما يكونوا إلى مثل هذه الدعوات التي تقوم على مبدأ تشارك المستقبل.
0 المبادرة واحدة من أكثر المشروعات الفكرية جدية وعمقاً في محاولة فهم جذور الأزمة السودانية لا مجرد التعامل مع أعراضها.. لم تقدم المبادرة وصفة سياسية في الهواء.. حيث تكمن قوتها في أنها ترفض الروايات التقليدية التي تختزل مأساة السودان في أزمات مكررة أزمة اقتصادية وصراع سياسي وحرب أهلية.. فالمبادرة تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك لتطرح تشخيصاً أكثر عمقاً وجرأة.
0 المشكلة في السودان في غياب الدولة نفسها هذا الطرح الذي قدمته المبادرة يمثل في الحقيقة مدخلاً ضرورياً لفهم ما جرى في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم.. لقد تعاقبت على السودان حكومات مدنية وعسكرية.. وشهدت البلاد ثورات واحدة مصنوعة وانتقالات سياسية واتفاقات سلام، ومع ذلك ظل الاستقرار بعيد المنال.. والسبب كما تشير المبادرة بوضوح أن هذه التحولات كانت تدور داخل بنية الدولة نفسها والتي لم تكتمل أصلاً.
0 وترى المبادرة ان الدولة منظومة متكاملة تقوم على شرعية وجودية.. يشعر معها المواطن بأنها تمثله وتعبر عنه.. لا حدودا مرسومة أو مؤسسات إدارية تحمل أسماء رسمية.. من هنا تأتي أهمية المفهوم المركزي الذي تطرحه المبادرة وهو الشرعية الوجودية.. هذا المفهوم يتجاوز الشرعيات التقليدية – الانتخابية أو الثورية أو الدستورية -.
0 مبادرة تيار الطريق الثالث جريئة لدرجة انها طرحت سؤالين أكثر الحاحا هل يشعر السودانيون بأن الدولة تمثلهم جميعاً ؟ وهل تقوم العلاقة بين المجتمع والسلطة على عقد اجتماعي حقيقي؟.. الإجابة الصادقة تفسر الكثير من تاريخ السودان السياسي.. وترى المبادرة ان السلطة تحولت غالباً إلى ساحة صراع بين النخب أو القوى المسلحة.. بدل أن تكون أداة لخدمة المجتمع.
0 ورأت مبادرة التيار انه في غياب هذه الشرعية لم يكن مستغرباً أن تتراجع الهوية الوطنية أمام الهويات الفرعية وأن يتحول الانتماء القبلي أو الجهوي إلى بديل عن الانتماء الوطني.. من النقاط المضيئة كذلك في مبادرة تيار الطريق الثالث إدراكها العميق لدور المجتمع في عملية إعادة البناء.. فهي لا تدعو إلى استبدال النخب الحاكمة بنخب أخرى فحسب.. بل تدعو إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة.
0 وفي هذا الاتجاة تقدم المبادرة قراءة ذكية للعلاقة بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني.. حيث تؤكد أن الأول حافظ تاريخياً على تماسك المجتمع وقيمه بينما يمثل الثاني الإطار الحديث لمراقبة السلطة وحماية الحقوق العامة.. وتشدد المبادرة على ان التكامل بين البعدين التقليدي والحديث أحد المفاتيح الضرورية لبناء دولة مستقرة في مجتمع متنوع مثل السودان.
0 كما تقدم المبادرة تقدم طرحاً متوازناً لمسألة الهوية الوطنية وهي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في التاريخ السوداني.. فهي لا تنكر التنوع الثقافي والإثني واللغوي في البلاد.. بل تعتبره ثروة اجتماعية لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة وجود هوية وطنية سياسية جامعة تدار داخلها هذه التعددية.. بحيث ترى ان الدولة لا يمكن أن تقوم إذا تحولت الهويات القبلية لتحل محل الهوية الوطنية.
0 ولم تغفل المبادرة مفهوم الأمن القومي حيث قدمت له تعريفاً متقدماً وشاملاً وهو الذي يشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي وهو تعريف يعيد للدولة وظيفتها الحقيقية حماية وجود المجتمع واستمراره.. واذا تأملناه فهو يتجاوز النظرة الضيقة التي تحصر الأمن في القوة العسكرية.
0 ولعل من أكثر الأفكار عمقاً في المبادرة إعادة تعريف مفهوم الثورة.. بحيث لا تختزله في لحظة تاريخية أو في قيادة بعينها.. بل يرى التيار الثالث ان الثورة مرجعية أخلاقية وسياسية مستمرة تهدف إلى إعادة تصحيح مسار الدولة كلما انحرف.. وهو فهم متقدم بعيدا عن ناس “صابنها” يحمي فكرة الثورة من الابتذال السياسي كالذي مارسه خالد سلك وبابكر فيصل وعمر الدقير وبقية “عطالى قحت”.. ويعيد ربط مفهوم الثورة بهدفها الأساسي وهو بناء دولة شرعية ومستقرة.
0 إن ما يميز مبادرة (المشروع الوطني) أيضاً هو عدم تقديمها لنفسها بوصفها برنامج حزب سياسي يسعى إلى السلطة.. وانما تطرح فكرة التيار الوطني بوصفه وعاء مجتمعياً واسعاً يجمع الناس حول هدف واحد وهو إعادة بناء الدولة.. واذا نظرنا الى هذا الطرح نجده غاية الأهمية لأن التجربة السودانية أظهرت أن المجال العام ظل لفترات طويلة حصرياً بين النخب الحزبية من جهة وحملة السلاح من الجانب الآخر دون وجود كتلة اجتماعية منظمة قادرة على فرض أجندة الدولة على الجميع.
0 اعجبتني فكرة الرباط الاجتماعي الجديد الذي تدعو إليه المبادرة.. وهو خطوة أساسية نحو تقاسم المستقبل.. لأن السودان طيلة السنوات منذ الاستقلال لم يشهد توافقاً وطنياً شاملاً حول طبيعة الدولة ومصادر شرعيتها.. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنجح دون تأسيس هذا العقد على قاعدة المواطنة المتساوية وسيادة القانون بعيدا عن مزاعم التهميش.
0 في تقديري ان إن مبادرة تيار الطريق الثالث لم تدع امتلاكها كل الإجابات لكنها قدمت شيئاً أكثر أهمية هو إعادة ترتيب الأسئلة نفسها.. واقترحت عدم الانشغال بالصراع على السلطة ودعت إلى التفكير في معنى الدولة التي يريدها السودانيون.. وفي الأسس التي يجب أن تقوم عليها هذه الدولة.. ولذلك مبادرة لا تلهث وراء السلطة تمثل محاولة حقيقية وجادة للخروج من الحلقة المفرغة التي عاشها السودان لعقود طويلة.. وتستحق الاحتفاء فهي تفتح الباب أمام نقاش وطني عميق حول الدولة والهوية والشرعية والعقد الاجتماعي، وهي أسئلة لا يمكن لأي مشروع يدعو للنهضه أن يتجاهلها.
0 إن السودان يحتاج اليوم إلى رؤية وطنية شاملة تعيد تأسيس الدولة من جذورها.
بدلا من اللجوء إلى تسويات سياسية مؤقتة يستنكرها تيار الطريق الثالث.. ومن هنا تأتي أهمية مبادرة المشروع الوطني – نتشارك المستقبل) التي قد تشكل إذا وجدت الدعم المجتمعي الكافي، بداية الطريق نحو دولة سودانية حقيقية.. يشعر كل مواطن بأنها دولته، وتعمل لمصلحته، وتحمي مستقبله.
0 أن ما يطرحه تيار الطريق الثالث اكبر من مبادرة سياسية.. هى دعوة فكرية ووطنية جريئة لإعادة بناء السودان على أسس جديدة.. تستحق النقاش الجاد والدعم الواسع لأن مستقبل السودان لا يمكن أن ان يقوم إلا عبر مشروع وطني جامع يعيد للدولة معناها.. وللمجتمع دوره وللوطن وحدته وتماسكه.
الاثنين 16 مارس 2026
osaamaaa440@gmail.com



