أسامه عبد الماجد يكتب: مفضل وميرغني في موسكو

0 لا يمكن تجاوز مغزى مشاركة مدير عام جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل.. ومدير عام منظومة الصناعات الدفاعية الفريق أول مهندس ميرغني إدريس.. ضمن الوفد الذي ترأسه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية.. فوجود الرجلين إلى جانب الرئيس يدلل على أهمية الملفات الأمنية والعسكرية والدفاعية في أجندة السودان خلال هذه المرحلة.. ويكشف عن اهتمام بتطوير العلاقات مع روسيا في مجالات تتجاوز التعاون السياسي والدبلوماسي التقليدي.
0 فمشاركة مفضل وميرغني حملت رسائل تتعلق بطبيعة المصالح التي يسعى السودان إلى مناقشتها مع روسيا.. خاصة في ظل الحرب والتحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي تواجه البلاد.. والحاجة إلى الاستفادة من الخبرات والإمكانات الروسية في إعادة بناء المؤسسات وتطوير القدرات الدفاعية.
0 لعل وجود مفضل يكتسب أهميته من طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان.. سيما وان الحرب تجاوزت مفهوم المواجهة العسكرية في الميدان.. إلى ملفات معقدة تتعلق بالمعلومات والاستخبارات ومصادر السلاح والتمويل.. وشبكات التجنيد ووجود المقاتلين الأجانب والتدخلات الخارجية.. وهي ملفات لا يمكن التعامل معها من خلال العمليات العسكرية وحدها لأنها تحتاج إلى قدرات استخباراتية متقدمة وتعاون دولي وتبادل للمعلومات والخبرات مع الأجهزة النظيرة.
0 تأتي أهمية موسكو دون سائر العواصم بالنسبة إلى السودان.. خاصة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه ينتمي إلى المؤسسة الاستخباراتية.. فقد عمل ضابطاً في جهاز الاستخبارات السوفيتي وتولى لاحقاً إدارة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي.. وهذه الخلفية تمنح البعد الأمني والاستخباراتي في العلاقات بين البلدين خصوصية إضافية.. وتكشف عن إدراك القيادة الروسية لطبيعة الملفات الأمنية وتعقيداتها.. والمامها بالملف السوداني.
0 قبل أشهر قليلة وتحديداً في مايو الماضي كان مفضل قد زار موسكو على رأس وفد السودان.. المشارك في الاجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية، بمشاركة ممثلين من 145 دولة.. وخلال الزيارة عقد لقاءات مع مسؤولين روس من بينهم نائب وزير الخارجية وقدم شرحاً لتطورات الحرب في السودان، محذراً من ثلاثة ملفات رئيسية تتمثل في التدخلات الخارجية.. ووجود المقاتلين الأجانب.. والتداعيات المترتبة على ذلك بالنسبة إلى أمن السودان واستقرار المنطقة.
0 أكدت هذه التحركات أن التواصل الأمني بين الخرطوم وموسكو ليس وليد المشاركة الأخيرة.. وإنما يأتي في اطار اهتمام متبادل ببحث التحديات الأمنية وتوسيع مجالات التعاون.. فالسودان يحتاج إلى فهم أعمق لما يجري خارج حدوده ومتابعة مصادر التهديد.. وتقوية قدراته في جمع المعلومات وتحليلها بما يساعد على حماية الامن الوطني وسيادته.. وموسكو في حاجه ماسه للتغلغل في العمق الافريقي والبحر الاحمر عبر بوابة السودان.
0 أما مشاركة الفريق أول ميرغني إدريس، فترتبط بملف لا يقل أهمية.. وهو الصناعات الدفاعية وتطوير القدرات العسكرية والإنتاجية للسودان. فقد كشفت الحرب عن حجم الاحتياجات التي تتطلبها القوات المسلحة، وعن ضرورة تقليل الاعتماد على الخارج، وتطوير الإمكانات المحلية في مجالات التصنيع والصيانة والتأهيل ونقل التكنولوجيا، إلى جانب الاستفادة من التقنيات الحديثة في أنظمة الرصد والاستطلاع والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة.
0 تعتبر روسيا واحدة من الدول المتقدمة في الصناعات العسكرية والتقنيات الدفاعية.. وتمتلك خبرات واسعة في مجالات الطيران العسكري وأنظمة الدفاع الجوي والاستطلاع.. والحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة.. وقد اكدت الحرب الروسية الأوكرانية الأهمية المتزايدة لهذه التقنيات.. في العمليات العسكرية الحديثة كما كشفت عن تطور كبير في استخدام الطائرات المسيّرة.. وتوظيفها في التأثير على تحركات القوات والإمداد والقدرات الدفاعية للطرف الآخر.
0 هذه التجربة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى السودان.. الذي فرضت عليه طبيعة الحرب تحديات ميدانية وأمنية متغيرة.. وأظهرت الحاجة إلى تطوير قدرات الاستطلاع والمراقبة.. ومواجهة الطائرات المسيّرة المعادية.. وحماية المواقع والمنشآت الحيوية وسرعة الحصول على المعلومات.. ومن ثم فإن الاستفادة من الخبرات الروسية في هذه المجالات يمكن أن تمثل أحد اوجه التعاون المهمة.. سواء عبر التدريب وتبادل الخبرات أو التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا.
0 كما أن مشاركة مديري المخابرات ومنظومة الصناعات الدفاعية في الوفد الرئاسي تحمل رسالتين أساسيتين.. الأولى تتعلق بأهمية الملفات الأمنية والدفاعية في العلاقات السودانية الروسية.. وفتح المجال أمام مناقشة احتياجات السودان في هذه المجالات. أما الرسالة الثانية فتتمثل في تأكيد تكامل مسؤوليات المؤسسات الوطنية.. فالقوات المسلحة تتولى مسؤولية المواجهة العسكرية وحماية البلاد.. وجهاز المخابرات يعمل على متابعة التهديدات وجمع المعلومات وتحليلها.. فيما تقوم منظومة الصناعات الدفاعية بجانب مهم من مسؤولية الإنتاج والتطوير وتوفير الإمكانات التقنية والصناعية.
0 هذا التكامل يمثل ضرورة تفرضها طبيعة الحرب وتحدياتها فحماية السودان تتحقق بالعمل العسكري.. ولكن تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومة الدقيقة وتمر بالتخطيط والتنسيق.. والإمداد والتطوير التقني والتصنيع.. وصولاً إلى تقوية قدرات القوات المسلحة وحماية المواطنين والمؤسسات واستعادة الاستقرار.
0 اجمالا لذلك فان الوفد السوداني المشارك في موسكو جمع بين ثلاثة ملفات رئيسية الملف السياسي والدبلوماسي الذي مثله رئيس مجلس السيادة.. الملف الأمني والاستخباراتي الذي مثله مفضل والملف العسكري والصناعي الذي مثله ميرغني.. وهذا الجمع يعكس أهمية التنسيق بين مؤسسات الدولة ويشير إلى حاجة السودان إلى توسيع علاقاته في المجالات الأمنية والاستخباراتية والدفاعية والصناعية.
0 وتكتسب العلاقات مع موسكو أهمية إضافية بالنظر إلى ما تملكه من ثقل سياسي ودولي.. وقدرات عسكرية وصناعية فضلاً عن مجالات التعاون في الطاقة والتعدين والزراعة والبنية التحتية وإعادة الإعمار.. وتبقى الفرصة الحقيقية أمام البلدين في ترجمة هذه الدلالات إلى تعاون مستدام.. يدعن أمن السودان وقدرات قواته المسلحة.. ويسهم في إعادة بناء مؤسساته وتطوير صناعاته الدفاعية.. بلادنا تحتاج اليوم إلى علاقات سياسية وإلى شراكات.. قادرة على تقديم قيمة حقيقية في مواجهة تحديات الحرب وما بعدها.
0 ومهما يكن من أمر.. ان زيارة موسكو ذات أهمية بالغة على أن تبقى نتائجها العملية والملموسة المعيار الحقيقي للحكم على نجاحها.
الأحد 1 نوفمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




