أسامه عبد الماجد بكتب: البرهان بموسكو.. الفرص الضائعة

0 لا ينبغي الإفراط في التفاؤل بشأن مشاركة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في القمة الروسية الإفريقية.. كما لا ينبغي الانخداع بما يردده بعض الكتاب عن أنهم نصحوا البرهان بالتوجه شرقاً وأنه استجاب أخيراً لهذه النصائح.. فمن الغباء بناء العلاقات الخارجية بالانحياز لمحور على حساب آخر ويفترض التحالف على أساس المصالح الوطنية وتنويع الشراكات.
0 وما يدعو إلى الصراحة عند تقييم الزيارة هو البداية المرتبكة التي ظهر بها خطاب البرهان أمام القمة.. فقد ركز بصورة أساسية على العلاقات التاريخية والمواقف السياسية والحرب الدائرة في السودان والتأكيد على سيادة البلاد وموقف روسيا من الأزمة.. دون أن يقدم رؤية واضحة لمجالات التعاون الاقتصادي التي تريدها الخرطوم من موسكو.
0 خاصة عند مقارنة خطابه بخطابي الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والجنوبي سلفاكير ميارديت نجد اختلافاً واضحاً.. فقد استغل الرئيسان المناسبة لعرض فرص الاستثمار ومشروعات التعاون مع روسيا. فتحدث السيسي عن محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس ومجالات الطاقة والبنية التحتية والأمن الغذائي.. بينما عرض سلفاكير فرص بلاده في الزراعة والبترول والتعدين والسياحة.. حتى انه دعا المستثمرين الروس إلى زيارة جوبا.
0 وكان من الطبيعي أن يقدم البرهان صورة مشابهة عن إمكانات السودان وما يمكن أن يقدمه لشركائه الروس.. فالبلاد تمتلك موارد طبيعية وأراضي زراعية وموقعاً جغرافياً مهماً، وكان بالإمكان عرض مشروعات محددة في التعدين والطاقة والزراعة والنقل والصناعة.
0 كما ان مؤشرات ان ترتيبات الزيارة تمت على عجل لقاء البرهان بالرئيس الكيني وليام روتو بحضور الرئيس المصري.. فقد ترك اللقاء انطباعاً بأن القاهرة قادت جهود المصالحة بين الخرطوم ونيروبي.. وظهر السيسي في الصورة يجلس بينهما وكأنه الوسيط الذي نجح في تقريب وجهات النظر.. رغم حضور الرئيس البوروندي رئيس الاتحاد الإفريقي.
0 وبهذه الصورة منح السودان مصر فضلاً دبلوماسياً لم تكن صاحبة الدور الأساسي فيه.. فالحقيقة أن رئيس الوزراء كامل إدريس التقى روتو على هامش قمة الكوميسا الأسبوع الماضي.. وأسهم اللقاء في تهيئة الأجواء وتجاوز جانب من الخلافات وفتح الباب أمام تحسن العلاقات.. وكان على وزير الخارجية محي الدين سالم توضيح هذه التطورات وإبراز الجهد السوداني الذي سبق لقاء البرهان وروتو.. بدلاً من ترك انطباع ينسب الفضل إلى غير أصحابه.. ويوحي بأن السودان يحتاج دائماً إلى وساطة خارجية لإدارة علاقاته.
0 صحيح أن مباحثات البرهان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين حملت حديثاً مختلفاً.. فقد تناولت مجالات التعاون الاقتصادي وأبدى البرهان استعداد السودان لمنح الشركات الروسية فرصاً للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى.
لكن عدم طرح هذه الملفات بوضوح منذ البداية أمام القادة المشاركين في القمة.. اوحى لقاء الكرملين وكأنه محاولة لتدارك ما غاب عن الخطاب الأول وهو ما يكشف ضعف التنسيق بين المؤسسات.. حتى ولو قيل ان ذلك نهج مدرسة تفضل ترك التفاصيل في اللقاءات المباشرة.
0 كما أن تكريم موسكو للبرهان ومنحه الدكتوراه الفخرية حمل رسائل سياسية تتجاوز المناسبة الأكاديمية.. فأرادت موسكو توجيه رسالة إلى واشنطن مفادها أن البرهان يحظى بمكانة لديها وأنها تنظر إليه باعتباره شريكاً مهماً.. وفي الوقت ذاته حمل التكريم رسالة إلى البرهان نفسه بأن موسكو حريصة على كسب ثقته وتوطيد علاقتها به، ولن تترك المجال لابتعاده عنها أو إدارة ظهره لها.
0 ومن القضايا المهمة التي غابت عن خطاب البرهان قضية البحر الأحمر.. رغم ارتباطها المباشر بأمن السودان ومصالحه الاستراتيجية.. فقد تحدث السيسي عن ضرورة الحفاظ على أمن البحر الأحمر ورفض عسكرة المنطقة أو إقامة ترتيبات عسكرية تتجاوز إرادة الدول المشاطئة، بينما لم يقدم السودان رؤية واضحة بشأن هذا الملف.
وكان بإمكان البرهان طرح فرص التعاون مع روسيا في تطوير ميناء بورتسودان وتأهيل الموانئ وتحسين خدمات النقل البحري واللوجستيات.. مكتفيا بطرح منطقة حرة بالبحر.
0 لا شك أن الحرب تفرض نفسها على أولويات السودان وأن الدفاع عن وحدة البلاد وسيادتها وشرح موقف الحكومة من الأزمة أمر ضروري.. لكن المشكلة تكمن في أن يظل هذا الملف محور الخطاب الخارجي دون تقديم رؤية واضحة لمستقبل البلاد.. فالدبلوماسية لا تقتصر على الدفاع عن المواقف السياسية وتتجاوز ذلك إلى عرض المصالح والفرص وبناء الشراكات والاستعداد للمستقبل.
0 من المؤكد أن لقاء البرهان وبوتين كان مهماً خاصة أن الرئيس الروسي تحدث عن تقديم خارطة طريق لتطوير العلاقات وإزالة العقبات أمام التعاون.. لكن المسؤولية تقع الآن على عاتق السودان لإعداد الدراسات الاقتصادية والفنية وتحديد المشروعات ذات الأولوية ومتابعة ما جرى طرحه في موسكو.. خاصة أن البلاد تحتاج إلى استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل بنيتها التحتية وتشغيل القطاعات الإنتاجية التي تضررت بسبب الحرب.
0 ان المشكلة الحقيقية تظل في غياب عقلية التخطيط الاستراتيجي لدى الجهات التي يفترض أن تساعد القيادة على تحديد الأولويات.. وتقديمها بصورة واضحة أمام العالم.. وكانت مناسبة مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين السودان وروسيا فرصة مناسبة للاتفاق على برنامج تعاون يمتد لعدة سنوات ويشمل الطاقة والزراعة والتعدين والنقل والصناعة وإعادة الإعمار.
0 لقد عالج لقاء الكرملين جانباً من النقص الذي ظهر في خطاب البرهان أمام القمة.. وقدم صورة أوضح عن المجالات الاقتصادية التي يرغب السودان في التعاون فيها مع روسيا.. لكن ذلك يظل في حدود الوعود والتفاهمات ما لم تتبعه خطوات عملية تبدأ بإعداد المشروعات والدراسات اللازمة وتحديد الأولويات.. فالنجاح الحقيقي للزيارة يقاس بما ستسفر عنه من اتفاقيات واستثمارات ومشروعات يستفيد منها الوطن والمواطن.
0 ومهما يكن من أمر.. في ظل الصورة التي نراها.. هل تملك الحكومة القدرة والإرادة لتحويل هذه الوعود إلى مشروعات حقيقية ؟.
السبت 31 اكتوبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




