اسامه عبد الماجد يكتب: مراجعة بعثة

0 لا أدري إن كانت موجة الإشادات التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي عقب بيان السودان أمام مجلس الأمن موخراً.. كانت تفاعلا طبيعياً أم حملة منظمة لتسويق خطاب وصفوه بالاستثنائي.. فالبيان جاء رداً على التقرير نصف السنوي للمدعي العام للمحكمة الجنائية.. ألقاه الوزير المفوض ببعثة السودان لدى الأمم المتحدة عمار محمد محمود.. ولا بد من تصحيح معلومة.. فهو ليس نائباً لرئيس البعثة كما يروج البعض.
0 يشغل هذا المنصب السفير شمس الدين أبوزيد الذي يعمل للمرة الثانية في محطة نيويورك.. وهو دبلوماسي صاحب خلفية وخبرة قانونية متخصصة فهو خريج قانون جامعة الخرطوم وماجستير كذلك.. وكان مسؤول اللجنة السادسة المعنية بملف الجنائية في فترته الأولى.. ومهنياً وعرفاً هو الأجدر بهذا الملف لولا المجاملات فيما يبدو.. ولذلك فإن تغييبه بصورة تكاد تكون متعمدة امر غريب ويسأل عنه رئيس البعثة السفير الحارث إدريس.
0 أما عن الخطاب فلم يستثمر السودان الفرصة الثمينة لطرح قضية الشعب السوداني أمام أعلى منصة دولية.. واضاع كسب تأييد المجتمع الدولي.. إذ كشف الخطاب عن ضعف في الإعداد وغياب في التنسيق.. وخروج في بعض محاوره عن القضية الأساسية لينتهي بأثر أقل بكثير مما كان يمكن تحقيقه.. ولم يكن الخطاب نتاج إعداد فريق متكامل.. فلم تظهر أي مؤشرات تدل على وجود تنسيق مسبق بين الجهات المختصة في الخرطوم المعنية بهذا الملف وبعثة السودان في نيويورك.
0 وغابت الرؤية الموحدة وترتيب الأولويات .. كما غابت الإحاطة القانونية والسياسية المدعومة بالأدلة والوثائق.. لذلك بدأ بعيداً عن كونه كلمة دولة صيغت بعناية لتخاطب مجلس الأمن.. وأقرب إلى رد فعل سياسي لما أثاره الجانب الامريكي من تعامل يتعلق باستخدام الكيماوي وهذا ليست المرة الاولى.
0 وكان من أبرز مواطن الضعف غياب الوضوح في الموقف القانوني للسودان.. فالسودان لم ينضم إلى نظام روما الخاص بالجنائية.. ومع ذلك أعلن الدبلوماسي التزام السودان الكامل بالتعاون مع المحكمة.. وطالب بالإسراع في إصدار أوامر قبض بحق مرتكبي الجرائم.. والحقيقة القانونية أن هذا التعاون يستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 1593 الصادر عام 2005.. والذي أحال ملف دارفور وحده إلى المحكمة الجنائية والسودان فقط وقع على مذكرة تفاهم مع الجنائية ايام قحت بواسطة وكيلة العدل وهي لا تقف على حجة قانونية
0 واغفل خطاب السودان هذه الحقيقة ولم يؤكد أن التعاون يقتصر على ملف دارفور.. وليس التزاماً شاملاً تجاه المحكمة في جميع القضايا.. الأمر الذي فتح الباب أمام تفسيرات خاطئة وأظهر الموقف السوداني وكأنه متناقض.. كما اختلت أولويات الخطاب بصورة واضحة فقد ركز على المطالبة بتسريع إصدار أوامر قبض جديدة.. لكنه تجاهل تماماً توضيح موقف السودان من المطلوبين السابقين.. ولم يقدم أي رؤية عملية لمعالجة العقبات التي تعترض تنفيذ قرارات المحكمة.
0 والأهم من ذلك قلل من دور القضاء السوداني حيث لم يظهر قدرته على محاكمة المتهمين برصيد الارث القانوني والتجربة القضائية المعروفة اقليميا.. واظهر المحاكم السودانية غائبة أو عاجزة مما ترك انطباعا سيئاً سيضر بالسودان.. ويمنح الجنائية مبررات إضافية للتدخل.. وإذا وضعنا في الاعتبار أن الجنائية نفسها تواجه انتقادات متزايدة.. واخرها إعلان تشاد امس الاول انسحابها منها .. واصفة المحكمة بأنها مسيسة تستهدف القارة الأفريقية..كان من الممكن استثمار هذه المتغيرات لتقديم رؤية سودانية متماسكة.. لا سيما وان اربعة دولاً سبقت تشاد.
0 أما الاتهامات التي يكررها السفير الحارث ومعاونوه بشأن دعم الإمارات للمليشيا.. فهي قد تجد صدى لدى الشعب السوداني وتدغدغ مشاعره.. لكنها داخل مجلس الأمن لا تكفي وحدها.. فالمنظمات الدولية تبني مواقفها على الاتهامات المدعومة بالأدلة والوثائق والشهادات الموثقة.. وقد سبق أن دفع السودان ثمناً باهظاً عندما خسر قضية اتهام الامارات أمام المحاكم الدولية بسبب ضعف الملف القانوني في عهد وزير العدل السابق ومعاونه من جهاز المخابرات.. ولذلك فإن تكرار الأسلوب نفسه لن يقود إلى نتائج مختلفة والأمر بحاجة الي تعاطي اكبر وقدرات اوفر .
0 ومن أكثر ما أضعف الخطاب أن الدبلوماسي عمار انجر إلى الرد على الاتهامات الأمريكية.. المتعلقة باستخدام القوات المسلحة أسلحة كيميائية.. رغم أن هذا الملف لم يكن مطروحاً على جدول أعمال الجلسة أصلاً.. التي خصصت لمناقشة تقرير الجنائية بشأن دارفور.. وبالتأكيد هى اتهامات سياسية باطلة وتافهة لكن مكان الرد عليها هو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.. وليس مجلس الأمن في جلسة ذات موضوع مختلف وتسبب ذلك في انتقال السودان من موقع صاحب حق يطالب بالعدالة إلى طرف الدفاع عن النفس فأضعف الرسالة الأساسية.. وسمح للآخرين بالابتعاد عن مناقشة مطالب السودان الحقيقية.
0 ترى الحكومة أن التعاون مع المحكمة الجنائية فرصة لملاحقة قادة مليشيا الدعم السريع وحلفائهم.. بخلاف الانقاذ التي كانت تعتبر المحكمة أداة سياسية تستهدف الدولة السودانية.. لكن ما الضمانات التي تمنع مستقبلاً توسيع نطاق الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية؟ وما الذي يمنع أن يتطور هذا الملف ليشمل تحقيقات قد تطال الرئيس البرهان أو غيره من كبار قادة الجيش.. رغم اللقاءات غير المفيدة التي نظمتها البعثة للمدعي العام مع البرهان لدورتين خلت دون جدوى؟.. ومع ذلك يهرول الحارث نحو الجنائية دون التحسب للضمانات القانونية والحسابات الدقيقة حتي في مبدأ التكاملية (بين السودان والمحكمة) فإن الجدل القانوني يتسع هنا بما يترتب عليه من محاذير.
0 نقر ان السفير الحارث يبذل جهداً لكن تقييم المباراة بالاهداف التي تعانق الشباك.. ونقول بصراحة إن أداء بعثة السودان في نيويورك يعاني من غياب الرؤية الاستراتيجية والاعتماد على خطاب يحمل رد الفعل بدلا من رؤية دولة.. وكذلك ضعف إدارة الملفات المتقاطعة.. ويكفي التذكير بما حدث أثناء زيارة رئيس الوزراء إلى نيويورك في الأسبوع الثالث من ديسمبر 2025 لتقديم مبادرة السودان للسلام.
0 لم تحسن البعثة اختيار توقيت الزيارة فوصل كامل ووفده في وقت كانت فيه الولايات المتحدة والدول الأوروبية.. قد دخلت عملياً في عطلات أعياد الميلاد ورأس السنة.. وهي فترة تغيب فيها القيادات السياسية وصناع القرار.. وتتوقف خلالها معظم الأنشطة الرسمية حتى الخامس من يناير 2026.. وكان من الطبيعي أن تنتهي الزيارة “صفرية” لأن التوقيت كان خاطئاً منذ البداية.. وقدمت الاحاطة في نهاية الجلسة وخرجت وزيرة خارجية بريطانيا دون ان تسمع للخطاب.. وهي الدولة حاملة القلم ومن ترأس جلسات ذلكم الشهر وقتها.
0 لم يتغير موقف الأمم المتحدة من الحرب في السودان رغم كل ما حدث.. فما زالت تتحدث عن (طرفي النزاع) وتصف المجازر والجرائم الدموية بانتهاكات.. دون أن تصنف المليشيا جماعة إرهابية وحتى بعد مقتل عناصر من قواتها من بنغلاديش في كادوقلي.. اكتفى غوتيريش بالقول إن ما حدث (قد يرقى إلى جريمة حرب).. من دون أن تتبع ذلك أي خطوات سياسية أو إجراءات عملية.. وظلت الامم المتحدة تتفرج على حصار الفاشر لأكثر من عام ونصف ومعاناة السكان والجوع والقتل والنزوح.
0 لا يعني ذلك تحميل السفير الحارث وحده مسؤولية هذا الواقع.. فهناك عوامل داخلية واقليمية ودولية معقدة تتجاوز إمكانات أي بعثة دبلوماسية.. لكن هذا لا يمنع من إجراء تقييم مهني وحقيقي لأداء بعثة السودان في نيويورك.. بعيداً عن الانطباعات التي تصنعها مقاطع الفيديو المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.. ولو كانت وسائل التواصل الاجتماعي موجودة في عهد السفير القامة عبد المحمود عبد الحليم لكان السودانيون قد جعلوه أيقونة للدبلوماسية السودانية بسبب حضوره الإعلامي.. ولما كان يملكه من قدرة على إدارة الملفات وقوة في الحجة.. وتأثير حقيقي داخل أروقة الأمم المتحدة وليس الاكتفاء بالإحاطات الروتينية.
0 ومهما يكن من أمر.. بعيداً عن المجاملات لابد من مراجعة شاملة ودقيقة لأداء بعثة السودان في نيويورك وتقييم مهني لكل فرد فيها.. وهى خط الدفاع الأول عن مصالح السودان في العالم.
الأربعاء 29 يوليو 2026
osaamaaa440@gmail.com




