رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: مع البرهان في عرينه

 

0 جاء لقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أمس بالصحفيين والإعلاميين.. داخل القيادة العامة بعيداً عن كونه مناسبة تقليدية للحديث عن مسارات الحرب وتطورات المشهد السياسي وأوضاع اقتصاد “الأفندية والبروفيسورات” كما قال الرئيس.. حيث حمل مضامين ورسائل قوية في أكثر من اتجاه.. وبدت القيادة العامة التي ظلت طوال شهور الحرب عنواناً لصمود المؤسسة العسكرية ورجالها وقائدها.. ومن داخل جدرانها استعاد البرهان جانباً من تجربة قاسية عاشتها المؤسسة العسكرية والبلاد ورويت بدماء الشهداء حتى “خنقته العبرة”.
0 لم يكن الدخول إلى المكان سهلاً وكانت الإجراءات الأمنية مشددة بصورة واضحة.. وطلب منا سحب الأحزمة من وسطنا كما يحدث في المطارات.. حتى الساعة أشاروا إلى أن أتركها في دولاب جميل يضم أكثر من ثلاثين درجاً صغيراً للأغراض الشخصية.. سررت بتلك الإجراءات الامنية التي تؤكد ان الجيش الذي دفع ثمناً باهظاً خلال الحرب غير مستعد للتعامل مع المرحلة المقبلة بالقدر نفسه من الثقة التي سبقت اندلاعها.. وبدت عبارة البرهان (لن نفرط تاني ولن ننخدع مرة أخرى) درس مستفاد من التجربة.
0 الأهم في قصة خروج البرهان هو قدرة الجيش على الاحتفاظ بعرينه في قلب الخرطوم خلال تلك المرحلة.. رغم الحصار وضغوط القتال وصعوبة وصول الإمدادات.. التي ذكرها البرهان.. ومن خلال حديثه ظهرت تجربته خلال الحرب وهي أن الجيش واجه الأزمة بالصبر “الحفر بالابرة” ثم عمل تدريجياً على تحويل الظروف الصعبة إلى فرصة لإعادة بناء قوته وتطوير قدراته.
0 حتى بدأت موازين القوة تتغير والتحول تدريجيا من الدفاع إلى استعادة زمام المبادرة وصولاً الي تحرير الخرطوم (شارع شارع وبيت بيت).. وبالنظر هنا إلى شخصية البرهان انه دوره خلال الحرب لم يقتصر على قيادة العمليات العسكرية بنفسه.. وانما واجه مسؤولية الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.. لا سيما وأن الحرب امتدت إلى جوانب سياسية واقتصادية وخارجية واجتماعية..
0 كما أن حديثه عن دعم الدول الصديقة والشقيقة يعكس إدراكاً لأهمية البعد الخارجي في إدارة الأزمة.. وجاءت إشادته بالمملكة السعودية وبجهود مركز الملك سلمان في مساعدة الشعب السوداني.. لتؤكد أن الحرب بالنسبة للقائد تجاوزت المعركة العسكرية الى أزمة إنسانية واقتصادية كبيرة.. وأضرت بالاقتصاد وأضعفت المؤسسات وأثقلت كاهل المواطن.. وجعلت الحصول على الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً لملايين المواطنين.
0 لذلك كان طبيعيا انتقال البرهان من الحديث عن العمليات العسكرية إلى الاقتصاد والحكومة والمواطن.. حكومة تشعر بالمواطن وتعيش معاناته وتجوع مثله كما قال.. لهذا صوب انتقادات مباشرة لأدائها وقال أن المرحلة المقبلة لا تحتمل حكومة بعيدة عن الشارع.. كان ينظر إلى المرحلة القادمة لإعادة بناء الدولة.. وليس مرحلة ما بعد الحرب العسكرية وبصراحة تفكير يؤكد ذكاء ومكر الرئيس.
0 اعجبتني ثقة البرهان من نفسه ولسان حاله “الحشاش يملأ شبكتو”.. ربما لذلك كان حديثه عن القوى السياسية أكثر حدة.. خصوصاً عندما تناول تجربة قحت وما سبق اندلاع الحرب من صراعات سياسية ووصوله لقناعة.. بأن المعادلة القديمة بكل ما حملته من صراعات.. وأخطاء قاتلة للقحاتة لم تعد في نظره وكذلك الشعب قابلة لإعادة الإنتاج.
0 من هنا جاءت لهجته الحاسمة بشأن عدم السماح بعودة مليشيا الدعم السريع المتمردة إلى المشهد السياسي أو العسكري.. ويمكن فهم هذه الصرامة في ضوء تجربته الشخصية خلال الحرب.. فقد كان في قلب المعركة بوجوده داخل القيادة وعاش الحصار والخطر.. في ظل نقص في الإمكانات.. قبل ان يعيد تشكيل نفسه وتغيير موازين القوة على الأرض.. واعاد البرهان كذلك تشكيل نفسه اصبح أكثر حذراً وتشدداً وأكثر تصلباً وأقل استعداداً للتنازلات السياسية.. وأكثر قناعة بأن أي تسوية سياسية لا تضع قضية السلاح وتعدد مراكز القوة في بالها.. لن تكون سوى تأجيل للأزمة وإعادة إنتاج لها بصورة أخطر.
0 لهذا تحمست لمصافحته امس لأن الرجل الذي أمامي لم يعد هو البرهان الذي عرفناه قبل الحرب واولها.. وكان لي موقف من لقائه في عام 2024 كنت الوحيد ضمن وفد صحفي بالخارج يزور السودان للمرة الأولى قاطع لقاءه ببورتسودان وقلت للزملاء صراحة (ليس هناك من محفز للقاء البرهان).. لجهة ان لقاء المسؤول ولو كان الرئيس ينبغي ان يكون مثمراً كما لقاء الامس.. وقد قلت له عبارة واحدة ولم اهمس له – كما فعل زملاء – (ينتظرك الكثير والمرحلة القادمة أصعب من السابقة) .. ولذلك رد علي قائلاً (نقول يارب.. وشكراً شكراً).
0 بعد مغادرتنا عرين الأسود ونحن في طريقنا للقاء رئيس الوزراء – قاطعته بكل ثقة لقناعتي بأنه لا جديد لديه – وقد صدق حدسي إذ مضى عدد كبير من الزملاء في الخطوة نفسها.. لكن بعد دخولهم القاعة والاستماع إليه.. وإلى تهاتره مع الزميل القامة عادل الباز.. جلست بعيداً عن قاعة لقاء (الأفندي كامل) وبدأت أستعيد حديث البرهان.
0 وربما يكون أهم ما يمكن أن يخرج به المواطن من اللقاء.. أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل مختلف لا ينسى ما حدث.. لكنه لا يعيش أسيراً للماضي.. ولا يسمح بتكرار الأخطاء التي قادت البلاد إلى هذا الدمار الذي طال حتى النفوس.. والتيقن أن السودان لا يحتمل تجربة أخرى من هذا النوع.. لكن الاختبار الحقيقي يتجاوز خطاب البرهان إلى مدى القدرة على تحويل دروس الحرب.. إلى مؤسسات أقوى واقتصاد أكثر استقراراً.. وحياة أفضل للمواطن.. وطريق سياسي يضع القرار النهائي في يد الشعب السوداني.
0 ومهما يكن من أمر.. انتصرنا.. تلك العبارة المكتوبة عند مدخل كوبري النيل الأبيض جوار السلاح الطبي.. وكانت خاتمة لفيلم قصير تم استعراضه أمس روى حكاية الخرطوم.. كيف كانت وإلى أين وصلت بقيادة رئيس لجنة التهيئة الفريق إبراهيم جابر الذي شهد لقاء البرهان وحظي بحفاوة مستحقة من الزملاء تقديراً لجهده ودوره.

الجمعة 11 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!