رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: البرهان.. الوقت ينفد

 

0 دعونا نتحدث بصراحة إلى الرئيس البرهان.. أعتقد قد حان الوقت لتصحيح خطأ تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء.. فقد جئ بالرجل ليكون بديلاً لعبد الله حمدوك بهدف تحقيق غايتين واضحتين.. انتزاع اعتراف دولي بالحكومة و إحداث اختراق حقيقي في احوال الناس وتحسين أوضاعهم المعيشية.. لكن الواقع يشير إلى أن كامل إدريس أخفق في تحقيق الهدفين معاً.. فبعيداً عن الأوهام التي تروج لها دائرته المقربة فإن المجتمع الدولي لم يمنح حكومته الاعتراف المطلوب.
0 ويكفي دليلاً على ذلك أن رؤساء البعثات السودانية في أوروبا منذ أكتوبر 2021 ما زالوا يعملون بصفة قائمين بالأعمال.. ولم تعتمد أوراق سفراء جدد.. كذلك لم يعترف الاتحاد الأفريقي بالحكومة الحالية.. مهما كانت التصريحات “المعسولة” الصادرة من بعض قياداته.. خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يساهم بنسبة كبيرة من ميزانية الاتحاد الأفريقي.
0 أما الهدف الثاني والمتعلق بمعاش المواطنين.. فلم يحقق فيه كامل أي نجاح يذكر.. وربما كان الخلل في الأصل ناتجاً عن اختيار شخصية تشبه حمدوك في كثير من السمات التي بلا لون او طعم.. فكلاهما موظف أممي ولم يتول أي منهما منصباً خلال فترة الإنقاذ.. كما أنهما بعيدان عن التيار الإسلامي وانما يقفان في الضفة المقابلة له.. فضلاً عن أن سنوات طويلة من حياتهما المهنية امضياها خارج السودان أحدهما في أديس أبابا والآخر في جنيف.
0 ويتمثل الإخفاق الأكبر في أن كامل يفتقر إلى الحضور السياسي و”الكاريزما” القيادية.. فلا أحد يعرف على وجه التحديد ما المشروع الذي يعمل عليه.. ولا هو تحدث بوضوح عن الانتقال السياسي أو الانتخابات أو التحول المدني..كما لم يقدم اجتهاداً يذكر في ملف الحرب – لا تنخدوا باسفاره – أو في قضايا معاش الناس.. كل ذلك اعطى انطباعاً بأن الرئيس البرهان هو صاحب القرار الفعلي والمسيطر على المشهد.
0 وفي الوقت ذاته فإن البرهان رسخ لذلك فتحركاته الأخيرة لم تحقق مكاسب سياسية لا للرئيس نفسه ولا لحكومة كامل إدريس.. بل أضرت بصورة الطرفين معاً.. فالرئيس ليس بحاجة إلى تأكيد شعبيته عبر الزيارات الميدانية.. لأن الوقوف إلى جانب القوات المسلحة بات موقفاً عاماً لدى الشعب السوداني.. اظهرت هذه التحركات البرهان في موقع المتحكم في عمل رئيس الوزراء وكذلك والمزاحم له في اختصاصاته.. وكانت زيارة البرهان الأخيرة إلى محطة مياه المنارة بأم درمان مثالاً واضحاً على ذلك.. خاصة أن حكومة ولاية الخرطوم باعتبارها ممثلة لحكومة كامل إدريس كانت تناقش الملف نفسه قبل يوم واحد فقط.
0 كما أن تشكيل الرئيس للجنة تهيئة العودة إلى ولاية الخرطوم ومن مهامها إزالة المظاهر العسكرية من العاصمة.. ورغم نجاح رئيس اللجنة وكفاءته المهندس ابراهيم جابر.. فإنه جنرال عسكري ويحيط به عدد من العسكريين وهو ما يؤكد اصرار القيادة على استمرار الطابع العسكري في إدارة الملفات المدنية.. ومن الملاحظ أيضاً أن بعض الشخصيات المقربة من البرهان دفع بها للعمل إلى جانب كامل إدريس.. مثل خاله المصرفي حسين الحفيان والكاتب الصحفي محمد محمد خير ومصلح نصار – لم أجد صفه اعرفها به – الذي ظل يروج باستمرار لعلاقته الوثيقة بالرئيس.. و بدأ الأمر وكأن البرهان أراد من خلال وجودهم مع رئيس الوزراء أن تكون له عين مباشرة داخل مكتبه.
0 من أبرز أسباب حالة الاختناق السياسي التي تعيشها البلاد اليوم أن البرهان لم يحسم موقفه بصورة واضحة.. فهل يريد الاستمرار في الحكم أم لا؟ وهل يسعى فعلاً إلى تقليص الصبغة العسكرية للدولة؟.. وبهذة المناسبة ارجو ان يتخلى والى الخرطوم وبقية الولاة عن ارتداء “الكاكي”.. وهل يعمل البرهان بجدية لفرض السلام سواء عبر الحسم العسكري أو عبر التفاوض؟.. وهل هيأ البيئة المناسبة للانتقال المدني؟ كلها أسئلة لا تزال مطروحة بقوة وتنظر اجابات من الرئيس.
0 لكن في تقديري الشخصي فإن أفعال البرهان منذ أكتوبر 2021 توحي بأنه يميل إلى الاستمرار في السلطة.. خاصة بعد أن ضاق ذرعاً بالقحاتة الذين لم يلتزموا بمبدأ الشراكة.. وسعوا إلى تجريده من النفوذ السياسي وإعادته إلى الثكنات.. وبالتالي السؤال المهم الآن ماذا ينبغي على البرهان أن يفعل؟.. الإجابة من خلال النظر لتجارب قريبة ففي مصر أطاح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بالرئيس المنتخب.. فواجهت بلاده عقوبات أفريقية وتجميداً للعضوية.. لكن السيسي أعاد ترتيب المشهد السياسي بعد اقل من عام بقليل وخلع الزي العسكري وخاض الانتخابات الرئاسية وفاز بها.. ثم استعادت مصر عضويتها في الاتحاد الأفريقي وأصبح يعرف بصفته رئيساً للجمهورية أكثر من رتبته العسكرية.
0 وفي العام الماضي أعلن الاتحاد الأفريقي رفع تعليق عضوية الغابون ورفع العقوبات المفروضة عليها بعد انقلاب قائد الحرس الرئاسي أوليغي انغيما على الرئيس المنتخب علي بونغو في عام 2023.. وخلال أقل من عامين تمكن أوليغي من ترتيب الأوضاع الداخلية وتهيئة البلاد للانتخابات.. ثم ترشح وفاز وعادت بلاده إلى الحضن الأفريقي.. وينطبق الأمر نفسه على محمد ديبي (كاكا) الذي نظم انتخابات وفاز بها واكتسب شرعية دولية.
0 لذلك على البرهان أن يتحرك بثقة نحو تنظيم انتخابات.. حتى وإن تعذر إجراؤها في جميع أنحاء السودان في المرحلة الأولى.. فالتجربة الإثيوبية اليوم شهدت غياب صناديق الاقتراع عن إقليم تيغراي وعدد من الدوائر الانتخابية في أمهرا.. ومع ذلك مضى آبي أحمد في العملية الانتخابية.. كما ينبغي أن يركز الحوار السياسي المرتقب على هدفين أساسيين.. أولاً اختيار رئيس وزراء يحظى بقبول أوسع من مختلف القوى السياسية.. وثانياً وضع ترتيبات واضحة للانتخابات المقبلة.
0 كذلك من الضروري حسم شكل نظام الحكم هل سيكون رئاسياً كما كان في عهد الرئيس عمر البشير قبل عام 2017؟.. أم مختلطاً اسوة بالنموذج المصري.. حيث يتولى رئيس الوزراء مدبولي إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية.. بينما يحتفظ الرئيس بملفات الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية؟ أم سيكون نظاماً برلمانياً ؟.. وفي تقديري فإن النموذج المختلط يبدو الأقرب إلى احتياجات المرحلة.
0 كذلك على البرهان أن يعيد ترتيب الدوائر المحيطة به.. فهناك دائرة أولى تضم شخصيتين ميرغني إدريس وياسر العطا.. اللذين أصبحا أكثر قرباً منه بعد تعيينه الأول مساعداً له في القوات المسلحة.. والثاني رئيساً للأركان ودائرة ثانية تضم ضباطاً مثل كبير الياوران العميد أسعد محمد يوسف.. وسكرتيره العقيد مدثر محمد عثمان، وسكرتيره الشخصي العقيد عمرو أبوعبيدة.. أما الدائرة الثالثة وهي مهمة للغاية حيث تضم مدنيين أبرزهم علاء الدين محمد عثمان الذي يواصل عمله في هدوء ودون ضجيج أو استعراض.. بعيداً عن توظيف معركة الكرامة واستغلالها للمصالح الذاتية على خلاف كثيرين حتى من بعض الصحفيين.. وأمجد فريد فيما تتردد أنباء عن انضمام الدكتور محمد جلال هاشم إلى هذه المجموعة.. إضافة إلى الدور الذي يلعبه شقيق الرئيس المحامي حسن البرهان.. وهذه الدوائر جميعها تحتاج إلى مزيد من التنظيم والتنسيق وتحتاج اكثر للمراجعة والتدعيم.
0 ومهما يكن من أمر.. إن مستقبل السودان سيظل رهيناً بقدرة قيادته على اتخاذ قرارات واضحة وحاسمة وإعادة ترتيب المشهد السياسي.. والا سنظل في هذة الحلقة المفرغة ونشرب في الشاي والقهوة والعرديب و “مانروى” !!.

الثلاثاء 2 يونيو 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!