أسامه عبد الماجد يكتب: مليار دولار !!

0 يمثل إعلان بنك الخرطوم عن توفير مليار دولار من مصادر خارجية.. كتمويل دوار لاستيراد السلع الاستراتيجية خطوة مهمة في العمل المصرفي وتبعث على التفاؤل في ظل الوضع الاقتصادي الضاغظ.. تكمن أهمية الخطوة في حجم المبلغ وفي مصدره وطريقة دخوله إلى الاقتصاد.. فنحن أمام موارد جديدة جاءت من الخارج بدلا من الاعتماد المستمر على موارد البنك المركزي واحتياطيات الدولة وهذا هو المطلوب في هذه المرحلة.
0 نجاح بنك الخرطوم في الحصول على خط ائتمان بهذا الحجم عبر البنوك المراسلة.. يفتح الباب أمام بقية المصارف للبحث عن موارد خارجية جديدة.. يمكن أن تدخل الدورة الاقتصادية من خلال القنوات المصرفية الرسمية.. فالبنك المركزي يستطيع تنظيم سوق النقد الأجنبي ووضع السياسات والضوابط والتدخل عندما يرى أن التدخل مطلوب لكنه لا يستطيع خلق الدولار من العدم.. الموارد المستدامة تأتي من الإنتاج والصادرات والاستثمار والتحويلات والعلاقات المصرفية الخارجية. 0 من هنا تأتي أهمية حث المصارف إلى توسيع علاقاتها مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية في الخارج.. ومن الإنصاف القول إن هذه الخطوة لم تأت بعيدة عن توجهات البنك المركزي.. فقد وجهت السيدة المحافظ مديري المصارف إلى العمل على توفير خطوط ائتمان من الخارج والاستفادة من علاقاتها مع مراسليها في الدول المختلفة.. وهذا توجه مهم لأنه يجعل المصارف جزءا فاعلاً في عملية توفير النقد الأجنبي بدلا من انتظار المركزي في كل مرة.. لأنه لا يمكن أن يكون الحل دائما في أن يضخ البنك المركزي الدولار من موارده المحدودة.
0 ان تحرك القطاع المصرفي للبحث عن الدولار في الخارج والاتيان به عبر القنوات الرسمية.. سينقل الحركة الاقتصادية تدريجيا من الاعتماد على الاحتياطي إلى بناء موارد جديدة.. ولذلك نجاح بنك الخرطوم في توفير مليار دولار يجب أن يشجع بقية المصارف على خوض التجربة نفسها..
المطلوب أن تدخل المصارف في منافسة حقيقية للحصول على خطوط ائتمان من الخارج وأن تتحول التجربة إلى ممارسة مصرفية فلا ينبغي النظر إلى ما حدث باعتباره امتيازا خاصا بمصرف واحد وإنما كتجربة يمكن أن تتكرر في مصارف أخرى
0 ولذلك فإن تحريك البنك المركزي العلاقات بين المصارف السودانية ونظيراتها والمؤسسات المالية في الخارج والسعي و لتطويرها يمثل خطوة مهمة في إعادة بناء شبكة العلاقات المصرفية الخارجية.. ومن ذلك اللقاءات المصرفية السودانية السعودية التي يمكن أن تفتح مساحات جديدة للتعاون والتمويل
ومن المهم أيضا توضيح طبيعة المليار دولار حتى لا يحدث خلط لدى الرأي العام
هذه الأموال ليست محفظة جديدة تضخ في السوق بلا ضوابط.. هى تمويل موجه لاستيراد سلع استراتيجية في مقدمتها القمح والوقود
0 بالتالي فإن أثرها يمكن قياسه بصورة واضحة.. من خلال حجم السلع التي تم استيرادها ومدى توفرها وأسعارها في السوق.. وفي المقابل لا ينبغي تحميل مبلغ المليار دولار أكثر مما يحتمل.. فالمبلغ لن يحل وحده أزمة الاقتصاد.. ولن ينهي اختلالات سوق الصرف ولن يغني عن الإنتاج والصادرات والاستثمار.. لكنه يمثل موردا إضافيا مهما يمكن أن يساعد في تمويل الاستيراد ويخفف الضغط على سوق النقد الأجنبي
0 أمر آخر انه من الطبيعي أن يكون للتمويل الخارجي تكلفة فالمصرف الذي يحصل على خط ائتمان من الخارج يتحمل تكلفة تمويل ورسوم ومخاطر والتزامات تجاه البنك المراسل.. وهذا أمر متعارف عليه في العمل المصرفي.. لان البنوك لا تقدم الأموال مثل ديوان الزكاة.. لكن وجود تكلفة للتمويل لا يعني بالضرورة أن سعر الدولار المستخدم في الاستيراد سيكون مساويا لسعر الدولار في السوق الموازي
فتكلفة التمويل عنصر واحد ضمن عناصر كثيرة تدخل في العملية التجارية والمصرفية
0 الحُكم الحقيقي على التجربة يجب أن يكون بالأرقام ومعرفة تكلفة التمويل والاستيراد.. وقد يثار أيضا تخوف من زيادة نفوذ بنك الخرطوم أو من عدم وجود البنك المركزي كشريك في رأس مال عملية تمويل معينة أو في إدارة المحفظة.. رغم ان هذه العملية ليست بالضرورة محفظة بالمعنى المصرفي المعروف.. كما أن عدم وجود البنك المركزي في مجلس الإدارة لا يعني خروجه من المشهد الرقابي.
0 فالرقابة المصرفية لا تعني أن يكون البنك المركزي موجودا.. في إدارة كل عملية تمويل.. دوره التنظيم والإشراف ووضع القواعد والضوابط التي تحكم عمليات النقد الأجنبي.. والاستيراد والتحويلات والتمويل المصرفي ومتابعة التزام المصارف بها..
وقد يكون من الأفضل في كثير من الحالات أن يعمل البنك المركزي كمنظم ورقيب.. بينما تقوم المصارف التجارية بدورها في تعبئة الموارد وتوفير التمويل وإدارة علاقاتها مع البنوك المراسلة.. وهذا هو الأسلوب الطبيعي والامثل في العمل المصرفي الحديث.
0 يضاف إلى ذلك أن بنك الخرطوم لديه تجربة سابقة متميزة وناجحة.. ونالت رضا رجال الاعمال والمستوردين في توفير موارد لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية خلال الفترة الأولى من الحرب.. ووفرت ادارة الينك أكثر من ملياري دولار لهذا الغرض وساعد التمويل في توفير السلع وكانت التكلفة مقبولة.. وهذه تجربة تستحق المتابعة وقياس نتائجها بالأرقام.. السودان في هذه المرحلة بحاجة إلى توسيع علاقاته المصرفية الخارجية واستجلاب النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية
0 كما أن المصارف مطالبة بأن تبحث عن فرص التمويل الخارجي.. وأن تعمل على فتح الاعتمادات وخطوط الائتمان بدلا من انتظار الموارد المحلية المحدودة.. المطلوب أن تتحول المصارف من مؤسسات تنتظر الموارد إلى مؤسسات تبحث عنها وتجلبها وتوظفها في الاقتصاد.. ولنتخيل فقط حجم الأثر إذا تمكن الجهاز المصرفي خلال الفترة المقبلة من استجلاب مليارات الدولارات من الخارج لتمويل التجارة واستيراد السلع الأساسية
0 مثل هذا التدفق يمكن أن يوفر موارد إضافية للاقتصاد ويخفف الضغط على البنك المركزي.. ويمنح سوق النقد الأجنبي مساحة أوسع للحركة.. نجح بنك الخرطوم في توفير مليار دولار كما اسلفت.. ونجح البنك المركزي في دفع المصارف نحو البحث عن خطوط ائتمان خارجية.. والتحدي الآن هو أن تتكرر التجربة في بنوك آخر..
حتى لا يضطر بنك السودان إلى استنزاف موارده المحدودة في معالجة كل أزمة بالنقد الأجنبي المتاح لديه.
0 ومهما يكن من أمر.. فإن الأهم أن يجد الدولار طريقه إلى ما يحتاج إليه المواطن المطحون من سلع أساسية في الأسواق وعلاج في المستشفيات.




