أسامه عبد الماجد يكتب: لا للحوار الآن

0 كلما سنحت فرصة للحديث عن الدعوة إلى حوار في المجالس.. بحضور الأصدقاء وآخرين أقول بصراحة إننا لسنا في حاجة إلى حوار في الوقت الراهن.. وأستند في ذلك إلى جملة من المبررات.. أولاً هناك حديث قوي عن إقصاء تيارات فاعلة في المجتمع خصوصاً خلال الحرب بل إن هذا الحديث صدر من الرئيس البرهان شخصياً.. ثانياً وجود قوى سياسية في الخارج وفي مقدمتها قحت وجميع واجهاتها.. تآمرت على البلاد ودعمت مليشيا أولاد دقلو ولا تزال تفعل.. وحتى إذا تراجعت ووافقت على الحوار فإن مشكلتها أصبحت أكثر تعقيداً إذ انتقلت من خلافها مع البرهان والجيش اللذين أخرجاها من السلطة إلى مواجهة مع الشعب السوداني بعد أن اختارت الاحتماء ببندقية الجنجويد.
0 ويبرز اختلاف كبير بين الوضع الحالي وأيام الإنقاذ.. فقد عادت حركات دارفور ومن أبرزها حركتا أبو القاسم إمام والطاهر حجر إلى الداخل.. وشهد الرجلان تدشين الحوار عندما حضرا برفقة الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي.. ولو ظلا في الداخل لما كان هناك ما يستدعي السؤال عنهما أو التعامل معهما باعتبارهما قوى معادية.. أما المبرر الثالث لعدم الحاجة إلى الحوار الآن فهو أن الداخل يكاد يكون متوافقاً بدرجة كبيرة، حول أمهات القضايا فضلاً عن التفافه خلف جيشه وإيمانه بأن المعركة معركة وجود.
0 في أيام الإنقاذ كانت الحاجة إلى الحوار ملحة لوجود معارضة حقيقية في الداخل.. ممثلة في المؤتمر الشعبي وحزب الأمة وقد حضر زعيما الحزبين، د. الترابي والإمام الصادق المهدي.. لهما الرحمة والمغفرة تدشين الحوار وشارك الشعبي بقوة وكان هدفه في جانب مهم منه.. إرخاء قبضة الرئيس البشير وقد نجح في ذلك بامتياز إذ أقر المتحاورون استحداث منصب رئيس الوزراء بعد غياب دام 28 عاماً.. لكن البشير أجهض المشروع بإسناد المنصب إلى نائبه الأول بكري حسن صالح في مارس 2017.. وأذكر أنني كتبت وقتها مقالاً رشحت فيه د. التجاني سيسي لتولي المنصب.
0 السبب الرابع أن الدعوة الحالية للحوار نفسها تعاني خللاً في المنشأ.. فقد جاءت من قوى سياسية وليست من الرئيس البرهان أو رئيس الوزراء.. وهذا يختلف عن حوار الوثبة الذي جاءت دعوته من الحزب الحاكم من دون تردد.. استناداً إلى قناعة بأن الحفاظ على استقرار الدولة وأمنها أولوية مع الانفتاح السياسي على المعارضين..
أما البرهان فقد تحاشى دعوة من هم في الخارج بشكل صريح.. لأن ذلك يصطدم مع رغبات قطاع واسع من الشعب.. خاصة أن القوى الموجودة في الخارج رفعت شعار الإقصاء قبل المشاركة.
0 السبب الخامس لعدم جدوى الحوار الآن أن البرهان والجيش يعتبران نفسيهما محايدين ولا علاقة لهما بالحوار.. بينما الصراع الرئيسي يدور حول السلطة وهي في نهاية الأمر بيدهما.. أما في حوار الوثبة فكان المؤتمر الوطني نفسه أبرز المشاركين..
وأقول بصراحة إن المؤسسة العسكرية لم تستفد من الخطأ القاتل الذي ارتكبته في التفاوض مع حركات دارفور وآخرين في جوبا.. عندما أسندت الملف إلى الباغي الشقي حميدتي الذي جيره لمصلحة مليشيته.
0 ولولا فطنة د. جبريل إبراهيم ومالك عقار وقراءتهما الدقيقة للمشهد وإدراكهما أهمية وجود الجيش في السلطة.. لكان حميدتي قد ابتلع الجيش وتولى مقاليد السلطة.. وقد نفض الرجلان يديهما منه فور وصولهما إلى الخرطوم.. أما الخطأ الكارثي الثاني فكان أن قحت حاورت حركات دارفور وهي جزء منها.. واليوم تتصدر الكتلة الديمقراطية المشهد حتى ولو اختلفت المسميات.. وهي تتكون من فصيلين أحدهما داخل السلطة ممثلاً في العدل والمساواة وحركتي عقار ومناوي.. والثاني خارج السلطة ومن أبرز وجوهه محمد الجاكومي ومبارك أردول والأمين داؤود.
0 وهناك من يوجد في السلطة وخارجها في الوقت نفسه مثل الناظر ترك.. الذي يتحدث باسم الشرق وادعاء التهميش ويدفع في الوقت ذاته بعناصر إلى مؤسسات الدولة.. بينما يظهر تنظيمه الأهلي وكأنه خارج السلطة.. والمحير في الأمر قول الرئيس البرهان فيما معناه إنه لا علاقة لهم بالحوار.. ولا أدري هل يقصد بذلك الحكومة السيادية أم المؤسسة العسكرية.. لكن المؤكد أن أي حوار جاد إذا قام سيناقش وضعية مجلس السيادة ودور الجيش في السلطة.. وقد ينتهي المجتمعون إلى ضرورة خروج العسكريين من المشهد التنفيذي.. مع ترشيح البرهان لرئاسة الجمهورية.. وهذا بحد ذاته قد يكون مدخلاً لأزمة قادمة بين البرهان ورفاقه.
0 ثم إن انتظام الحوار سيحوله على الأرجح إلى ساحة معركة بين داعمي الجيش.. سواء كانوا داخل السلطة أو خارجها.. فسيسعى الطرف الأول إلى المحافظة على مكتسباته في السلطة.. مع عدم المساس باتفاقية جوبا.. بينما سيعمل الطرف الثاني جاهداً لحجز موقعه في السلطة.. ومن المخرجات المتوقعة للحوار تمهيد الطريق لمشاركة داعمي الجيش.. مثل إشراقة سيد محمود والجاكومي واردول وفتح الرحمن فضيل وعسكوري وبعض رموز الشعبي.. خاصة الفصيل المناوئ لعلي الحاج ومن أمثالهم د. تاج الدين بانقا.
0 وكذلك البعثي محمد وداعة الذي قدم نفسه كناشط مجتمعي عبر لجنة العودة الطوعية.. وقد ينحدر الأمر إلى درجة نفاجأ معها بشخصيات هلامية.. مثل أبو رهف ومن يترأسون تجمعات بالخارج ومجموعة من الناشطين المغمورين في منصات التفاعل الاجتماعي وسيدات يتسكعن في القاهرة.. بل وبعض بقايا المليشيا وهم أعضاء في البرلمان.
0 المشكلة الأساسية للخارج مع السودان اليوم ليست في عدم قيام حوار سوداني.. وإنما في سيطرة البرهان على مقاليد الأمور فقد جاء برئيس وزراء تسبب في تعميق الأزمة وأصبح عبئاً على البرهان نفسه..
ولذلك فإن المطلوب قبل تحرك قطار الحوار – والمفارقة أن لجنته تضم نبيل أديب وهو قيادي في الكتلة الديمقراطية – أن يحسم البرهان أولاً الشكل العام لهيكل الجيش الذي تذبذب خلال ثلاث سنوات بين وجود نائب للقائد العام ومساعدين اثنين.. ثم إلغاء منصب نائب القائد وزيادة المساعدين إلى ثلاثة.
0 ومن الضروري كذلك معالجة حالة جمع الفريق أول ياسر العطا بين منصبين.. عضوية مجلس السيادة ورئاسة أركان الجيش.. وهي حالة شاذة إذ إن المقعد الثاني أقرب إلى وكيل وزارة الدفاع.. المعني بتحديد احتياجات الجيش كما يحدد أي وكيل احتياجات وزارته من الكادر البشري والمستلزمات المكتبية.. حتى لو كان القلم في الجيش بمثابة طلقة.. وتفعيل دور الشرطة وقيادتها والمقاومة الشعبية
0 كذلك وقبل الحديث عن الحوار تحتاج البلاد إلى رئيس وزراء حقيقي.. “غير حالم” ومدرك لدوره ومهامه وإلى وزراء يملكون القدرة على التحرك بفاعلية.. وولاة أقوياء ومبادرين وإذا كانت هناك ضرورة لتعيين عسكريين.. فينبغي أن يكونوا من الضباط الموجودين في الخدمة.. وليسوا معاشيين “وكمان” كانوا بلا عمل.. كما تحتاج البلاد إلى تعيين وزراء لحكومات الولايات ومعتمدين من خارج دائرة الضباط الإداريين.. ومراجعة أوضاع من يتولون قيادة المؤسسات والهيئات الحكومية.. وضبط الخدمة المدنية.. وتحريك عجلة الانتاج والخدمات خاصة بالعاصمة.
0 ومهما يكن من أمر.. إذا تم كل ذلك فلا أعتقد أن المواطن سيأبه كثيراً بالحوار.. حتى لو ضمت لجنته ندى القلعة والانصرافي.
الأحد 16 أغسطس 2026
osaamaaa440@gmail.com



