أسامه عبد الماجد يكتب: إزاحة البرهان.. مشروع الترابي

0 عاد الدكتوران علي الحاج وغازي صلاح الدين – متعهما الله بالصحة والعافية – إلى الشيخ د. حسن الترابي رحمه الله.. بعد نحو عامين من قيام الإنقاذ وأبلغاه بصعوبة إبعاد العسكريين عن السلطة في تلك المرحلة.. وكان الترابي من أشد المؤمنين بالدولة المدنية رغم أنه خطط لسنوات لوصول الإسلاميين إلى الحكم عبر المؤسسة العسكرية.. وفي الوقت نفسه كان يحمل تصوراً موازياً لإعادة العسكريين إلى الثكنات.. وهو المشروع الذي عرف داخل الدوائر الضيقة للحركة الإسلامية باسم (دحرجة العسكريين) .
0 أصر الترابي على تنفيذ هذا المشروع ومنح الدكتورين في 1991 مهلة – أظنها عاماً – لإنجازه.. وقد التبست علي المدة لأنني بدأت في عام 2010 إعداد كتاب عن خلافة البشير.. وأجريت خلاله حوارات مع عدد من القيادات الإسلامية.. من بينهم البروفيسور حسن مكي والدكتور أمين حسن عمر وآخرون.. ونشرت بعض تلك الحوارات ايام عملي في الغراء (الانتباهة) كما أجريت لاحقاً لقاءات مع د. الحاج آدم يوسف والراحل يوسف لبس، رحمه الله.. إلا أن الكتاب لم ير النور لأسباب لا داعي لذكرها هنا.
0 المهم أن الترابي واصل ضغوطه حتى تم حل مجلس قيادة الثورة في أكتوبر 1993..
غير أن مشروعه لم يكتمل بالصورة التي أرادها.. وبرز نفوذ العسكريين ” مابنقدروا” عندما احتفظ البشير والشهيد الأمة الزبير محمد صالح بزيهما العسكري.. بحجة أن الأول هو القائد العام للقوات المسلحة.. بينما الثاني يتولى إدارة المفاوضات مع المتمردين.. كما أعاد البشير عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى مواقع السلطة عبر التعيين وزراء وسفراء.. ومن أبرزهم صلاح كرار الذي تنكر للانقاذ.
0 واصل الترابي مساعيه لإبعاد الجيش عن المشهد السياسي دون كلل.. وفي اجتماع عاصف أواخر 1993.. قلب نائبه الأستاذ علي عثمان محمد طه الطاولة واقترح استمرار الشراكة بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية.. عبر الإبقاء على البشير في موقعه وهو المقترح الذي أيده د. عوض الجاز.. ومنذ ذلك الوقت بدأت العلاقة بين الترابي وكل من طه والجاز تشهد فتوراً.
0 وأذكر خلال مناظرة لي على قناة (الحدث) مع خالد سلك حين قال بفرح: “أنهينا ثلاثين عاماً من حكم العسكر”.. وفندت اكاذيبه بالقول : “على العكس أنتم في الحرية والتغيير منحتم العسكريين شرعية السلطة وثبتم دورهم في الوثيقة الدستورية في سابقة لم يشهدها السودان أما شراكة الإسلاميين مع المؤسسة العسكرية فكانت قائمة على تفاهمات غير مكتوبة”.
0 بدأ التوتر بين الترابي وعلي عثمان منذ أواخر 1994.. وبلغ ذروته عندما اختار البشير، طه نائباً له عقب استشهاد الزبير محمد صالح في فبراير 1998.. مفضلاً إياه على الترابي وعلي الحاج واستمر الخلاف حتى وقعت المفاصلك بين الاسلاميين في ديسمبر 1999.. وبعدها حمل أنصار الترابي في الشعبي عداء صارخاً لطه بينما عينهم في البشير!!.. وأعتقد – دون أن أملك دليلاً قاطعاً – أن جزءاً من الحملة التي استهدفت علي عثمان خلال احتجاجات 2019 وما بعدها.. والتي بدأت باتهامات (كتائب الظل) ربما شارك فيها بعض منسوبي الشعبي.
0 ان ذكاء علي عثمان جنب الإسلاميين الصدام مع المؤسسة العسكرية.. مستفيداً من تجربة الترابي فحرص على استمرار الشراكة غير المعلنة مع الجيش.. حيث كانت عملية تقاسم السلطة تتم بهدوء.. إذ كان البشير يحتفظ بحق اختيار وزراء المالية ،الدفاع ،النفط والحكم الاتحادي.. إضافة إلى مساعديه ومستشاريه وقادة القوات النظامية ووالي الخرطوم.. ويتشاور معهم بشأن بقية الولاة.. بينما كان التنظيم يختار بقية الوزراء.
0 الخلاصة من هذه المقدمة الطويلة أن التعامل مع المؤسسة العسكرية يتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والحذر.. وعندما حاول الناشطين وجهلاء قحت مثل خالد سلك ومحمد الفكي ووجدي صالح وكبيرهم الخفي بابكر فيصل وغيرهم.. تقليص نفوذ الجيش ومزاحمة البرهان انتهى الأمر بهم في السجن في حين سمح لهم الجيش “فعل مابدالهم” عبر اللجنة سيئة الذكر (إزالة التمكين).. وفي المقابل اتخذ قادة مثل مالك عقار وجبريل إبراهيم ومني أركو نهجاً مختلفاً بحكم خبرتهم بطبيعة العلاقة مع المؤسسة العسكرية.
0 ما دفعني لاستعادة هذه الاحداث هو حديث القيادي مبارك أردول امس الذي نبه فيه البرهان من الاستجابه للدعوات الرامية إلى تفكيك مؤسسات الحكم.. وإجراء تغييرات في نظام الحكم خارج إطار عملية سياسية أو توافق وطني أو انتخابات عامة – والحديث لأردول – .. واعتبر أن مثل هذه الدعوات تتجاهل تعقيدات الأزمة السودانية الممتدة منذ الاستقلال وتدفع البلاد نحو مزيد من الاضطراب.
0 على الصعيد الشخصي كنت اول من طالب بحل مجلس السيادة دون انتهازيه كما يصف اردول اصحاب هذا الطرح.. ومبرراتي لذلك ان الخطوة تفتح الطريق أمام انتخابات ولو رئاسية في مرحلتها الأولى.. وتوسع دائرة الشرعية وإعادة فتح قنوات التواصل مع المجتمع الدولي.. وأعتقد أن البرهان يدرك ذلك لكنه يواجه معضلة كيفية إعادة (دحرجة) رفاقه في المؤسسة العسكرية.. والعكس كذلك يواجه الآخيرين بدورهم حسابات معقدة حال فكروا إزاحة البرهان.
0 لقد أخفق الترابي رغم مكانته ونفوذه التنظيمي.. في تحقيق مشروعه واختار تلميذه علي عثمان إدارة العلاقة مع المؤسسة العسكرية بصورة مكنت الإسلاميين من الاستمرار في الحكم قرابة عشرين عاماً بعد خروج الترابي من السلطة، قبل أن يبعده البشير نفسه في ديسمبر 2012.. واليوم يجد البرهان نفسه أمام تحديات مشابهة تتمثل في ثلاثه حروب مع المليشيا والقوى السياسية مثل قحت الساعية إلى السلطة.. ومجتمع دولي يستخدم شعار “المدنية” كسلاح وهمي لتحقيق أهدافه.. في حين يلجأ في الوصول الى السلطة باساليب افضل منها بندقية العسكريين عبر تحالفات سرية مع تجار السلاح والمخدرات وتجار الجنس من أمثال إبستين.
0 إن هدف الغرب الأساسي هو إضعاف الجيش.. رغم يقينه التام بأن هذه المنطقة لا تُحكم إلا بقبضة العسكريين.. مهما تأنق البعض في ثياب المدنيين وارتدوا ربطات العنق كما يحدث في مصر.. كما ان الغرب يؤمن بالبندقية بدليل تواطؤه مع داعم المليشيا شبه العسكرية لإزاحة البرهان.
0 ومهما يكن من امر.. يبقى البرهان في حاجة ماسة لفتح قنوات تشاور مع الذين لا يملكون طموحاً شخصياً في السلطة.. وإلا سيأتي يوم يتشاور فيه غيره مع السودانيين ليقرر مصير حكمهم.
الاثنين 20 يوليو 2026
osaamaaa440@gmail.com



