أسامه عبد الماجد يكتب: ولو تعلقوا باستارها

0 لن يعني السودانيين في شئ حتى لو تعلق الباغي الشقي المجرم حميدتي بأستار الكعبة.. دعوا عنكم مسرحية السافنا الذي حاول أن يتخفى خلف مشاهد مصطنعة تسوق بعناية داخل رحاب بيت الله الحرام.. من مقاطع التلميع القصيرة التي روجتها بعض المنصات لتزييف الحقائق وصناعة صورة زائفة لرجل ارتبط اسمه في ذاكرة السودانيين ضمن عصابة الدمار والدم والخراب.. ما لا تدركه المليشيا ولا ذراعها السياسي في قحت.. ولا كل من انشق عن ضمير الوطن وارتهن لمشروع الخراب أن الشعب السوداني لا ينسى بسهولة،. ولا أمة يمكن أن تتجاوز آلامها بمجرد حملة إعلامية مدفوعة.
0 فالدم الذي سفك لم يجف بعد.. والبيوت التي أحرقت ما زالت رائحة الرماد تملأ جدرانها.. والأمهات اللاتي فقدن أبناءهن لا يمكن أن تخدع أعينهن بلقطات مصورة أو شعارات جوفاء.. إن الجراح ما تزال مفتوحة في كل مدينة وقرية.. في الخرطوم ودارفور وتحديداً الجنينة دار اندوكا والجزيرة في ود النورة الوادعة وكردفان الامان.. وفي قلب كل سوداني شاهد وطنه يمزق أمام عينيه.. هناك ذاكرة مثقلة بالوجع والدموع وآلاف ساروا لايام نحو المجهول .. وأطفال فقدوا الأمان وأسر شردت ونزحت وأحلام دفنت تحت ركام الحرب.. وهذه المآسي لا تمحوها خطابات التبرير ولا محاولات إعادة تدوير القتلة ولو في ثوب الحجاج.
0 قد تنجح المليشيا لبعض الوقت في قيادة حملة تضليل .. وشراء ذمم شخصيات معروفة وصحفيين يعملون معها من خلف ستار بنشر اخبار معدة باحترافية.. لكنها لن تستطيع أن تنتزع من وجدان السودانيين حقيقة ما جرى.. فالتاريخ لا يرحم والشعب السوداني صاحب (دماء حارة) لن يسامح من تلطخت أيديهم بدمائه قبل أن يتحقق العدل.. وترد الحقوق ويقف كل مجرم أمام محكمة الوطن والتاريخ.. لن تنطلي على أحد عمليات تلميع الجناة قبل إنصاف الضحايا.. ولا إلى صناعة رجال مزيفين غطوا وجوههم (بكريمات الاحتماء) وراء قادة حركات مسلحة بحكم القبيلة.
0 ما ارتكبته مليشيا أولاد دقلو بحق السودانيين من جرائم لم تفرضها ظروف الحرب.. هى سلسلة ممنهجة وواسعة من الانتهاكات التي تركت جراحاً عميقة في وجدانهم وذاكرة الوطن.. فقد عاش ملايين السودانيين أياما مثقلة بالخوف والجوع وانعدام الأمان.. وتحولت منازل كانت تعج بالحياة إلى أماكن موحشة هجرها أهلها قسراً تحت وقع الرصاص والرعب.. لم يبق فيها سوى “الكدايس” كما توعد أبو لولو الأكبر.
0 ان ماحدث كارثة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. جرائم قتل جماعي نهب لممتلكات المواطنين.. اعتداءات وانتهاكات طالت النساء وتشريد لأسر كاملة وجدت نفسها فجأة بلا مأوى ولا سند. أحياء أُحرقت حتى صارت رماداً .. وقرى فرغت من سكانها وعائلات فقدت أبناءها عند دخول الجنجويد أو خلال رحلات النزوح القاسية.. وأطفال سرقت منهم طفولتهم وهم يشاهدون الخوف والجوع والموت.
0 لن يتعامل السودانيون مع هذه الجرائم باعتبارها تجاوزات يمكن محوها بالنسيان أو تبريرها بظروف الحرب.. كما قال منشقين انهم لم يعتدوا على مدنيين وكانوا يقاتلون الجيش.. ستظل الجرائم شاهدة على واحدة من أقسى المراحل التي مر بها السودان وستبقى صور النزوح والدموع والخراب حاضرة في الذاكرة لأجيال قادمة.. لن يتصالح السودانيين مع من سلبهم الأمن والكرامة بسبب توقيع اتفاق سياسي أو ترديد شعارات عن السلام.. فالتجارب القريبة تؤكد أن الشعوب قد تقبل بإنهاء الحرب.. لكنها لا تستطيع تجاوز الجرائم وتجاهل العدالة.
0 في كولومبيا وعقب توقيع اتفاق السلام مع حركة فارك عام 2016 بعد عقود طويلة من الصراع.. اعتقد كثيرون أن المجتمع سيتجاوز الماضي.. لكن نسبة كبيرة من الكولومبيين رفضت الاتفاق في الاستفتاء الشعبي خوفاً من أن تمر الجرائم الكبرى من قتل وخطف وترويع للمدنيين بلا محاسبة حقيقية تحفظ حقوق الضحايا وتصون كرامتهم.. وفي رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994 لم يكن من الممكن بناء مصالحة وطنية قائمة على النسيان.. فالناس الذين فقدوا عائلاتهم وأحباءهم كانوا بحاجة إلى الاعتراف بالحقيقة وإلى محاكمات عادلة ومحاسبة واضحة.
0 أما في البوسنة فما تزال آثار الحرب حاضرة رغم مرور سنوات طويلة على اتفاق دايتون.. كثير من العائلات لا تزال تحمل جراح المجازر والتطهير العرقي وترفض التعامل مع المسؤولين عن تلك الجرائم كأطراف سياسية.. وفي سيراليون وليبيريا خلفت الحروب الأهلية جروحاً عميقة نتيجة جرائم القتل الوحشي واغتصاب النساء وتجنيد الأطفال.. لذلك لم يكن إنهاء القتال كافياً وحده.. وانشئت لجان للحقيقة ومحاكم خاصة بعيداً عن اكاذيب شعارات المصالحة.
0 وكذلك في العراق بعد الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش بحق المدنيين خاصة في الموصل.. من اعدامات جماعية واستعباد للنساء وتدمير للتراث الثقافي – ذات ماحدث في السودان – ظل الحديث عن التسامح والمصالحة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من الضحايا قبل تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن القتل والانتهاكات والإذلال الجماعي.
0 كل هذه التجارب تؤكد حقيقة واحدة ان الشعوب لا تنسى من قتل أبناءها ونهب بيوتها وأهانها.. ولذلك فإن أي مشروع حقيقي للسلام في السودان لا يمكن أن يقوم على التجاهل أو القفز فوق معاناة الضحايا.. يجب أن يبدأ بالحقيقة والعدالة والاعتراف الكامل بما حدث إلى جانب إنصاف المتضررين وتعويضهم وحفظ كرامتهم.. فالسلام الذي تطلب الحكومة من الناس قبوله هذا وهم.. لو سألت الحكومة اي سوداني ستجده يطالب بمحاسبة كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء.
0 ومهما يكن من امر.. ان السودان الذي عرفه كل العالم وطنا للكرامة والتسامح.. لن يصبح وطنا للاذلال ولن يستطيع أحد ان “يفرمت” ذاكرة شعبه.
الخميس 28 مايو 2026
osaamaaa440@gmail.com



