حسن إدريس يكتب: الملك سلمان.. قائد التحول ومهندس الانتقال

في عيد ميلاده التسعين، يبرز خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود كأحد أكثر القادة السعوديين ثراءً بالتجربة وتنوعاً في الأدوار، إذ تمتد مسيرته مع الدولة السعودية منذ سنوات التأسيس الأولى في كنف والده المؤسس الملك عبدالعزيز – رحمه الله – مروراً بجميع عهود الملوك من بعده، وصولاً إلى قيادته للمملكة في مرحلة تُعد من أكثر مراحلها تحولاً وتأثيراً في تاريخها الحديث.
ولد الملك سلمان في 31 ديسمبر 1935م، ونشأ في مدرسة الملك عبدالعزيز التي خرجت رجال الدولة الأوائل، فتشرّب مبكراً قيم الحكم والمسؤولية وخدمة المجتمع. ولم تكن علاقته بالدولة علاقة وراثة سلطة فحسب، بل علاقة ممارسة يومية وتدرّج طويل في المسؤوليات.
في عهد الملك سعود (1953–1964)، بدأ الملك سلمان مسيرته العملية مبكراً، وتولى إمارة منطقة الرياض عام 1955م، وهو المنصب الذي شكّل نقطة التحول الأبرز في حياته العامة. فمن خلاله برز كإداري صارم وقريب من الناس، واضعاً أسس التخطيط والتنظيم في العاصمة.
وخلال عهد الملك فيصل (1964–1975)، تعزز حضوره الوطني، وشهدت الرياض قفزات عمرانية وتنظيمية كبيرة، لتتحول من مدينة تقليدية إلى عاصمة عصرية. وفي تلك المرحلة، لم يكن مجرد أمير منطقة، بل كان مشاركاً في الرأي ومستشاراً موثوقاً في القضايا الكبرى.
أما في عهدي الملك خالد والملك فهد (1975–2005)، فقد أصبح الملك سلمان أحد أعمدة الاستقرار السياسي والإداري في المملكة. وإلى جانب استمراره أميراً للرياض لأكثر من أربعة عقود، اضطلع بدور أمين سر العائلة الحاكمة، فكان مرجعاً في تاريخها وشؤونها، وحلقة وصل بين أجيالها، يتميز بالحكمة والتوازن والقدرة على إدارة التوافق داخل الأسرة.
وفي عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز (2005–2015)، دخل الملك سلمان مرحلة جديدة من المسؤوليات الوطنية، فتولى وزارة الدفاع عام 2011م في وقت إقليمي بالغ الحساسية. ثم في عام 2012م، بويع وليّاً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء، خلفاً لشقيقيه ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز ثم ولي العهد الأمير نايف بن عبدالعزيز – رحمهما الله – وهو اختيار عكس الثقة العميقة بخبرته الطويلة وقدرته على ضمان استقرار الحكم واستمرارية الدولة.
ومع مبايعته ملكاً للمملكة العربية السعودية في يناير 2015م، دخلت البلاد مرحلة مفصلية اتسمت بإعادة هيكلة شاملة للدولة وتحديث منظومتها الإدارية والاقتصادية، إلى جانب التعامل الحازم مع تحديات إقليمية ودولية معقدة. غير أن المحطة الأبرز في عهده تمثلت في إتاحة الفرصة للجيل الثالث لتولي المسؤولية، عبر تعيين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، في خطوة تاريخية ضمنت استمرارية الحكم وفتحت الباب أمام رؤية جديدة للمستقبل.
وفي23 يناير 2026م، يكمل الملك سلمان 11 عاماً في حكم المملكة، ليعد ثالث أطول الملوك حكماً في تاريخ الدولة السعودية الثالثة، بعد شقيقه الملك فهد ( 23 عاماً ) ووالده المؤسس الملك عبدالعزيز ( 21 عاماً)– رحمهما الله – علي الترتيب وهو إنجاز زمني يعكس ثبات القيادة في مرحلة عالمية وإقليمية شديدة التحوّل.
إن الملك سلمان بن عبدالعزيز لا يختصر في كونه ملكاً حاكماً فحسب، بل يجسّد حلقة نادرة تصل بين التأسيس والبناء والتجديد شاهد على نشأة الدولة، ومشارك في صياغة مسيرتها، وقائد مهد بثبات الطريق أمام مستقبلها، جامعاً بين حكمة الجيل المؤسس وطموح الجيل الجديد.
*دبلوماسي سوداني




