السفير أسامة عبدالباريء يكتب: تداعيات حرب إيران في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.. السودان وإريتريا نموذجاً

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها المعاصر مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فهذه الحرب لا يمكن النظر إليها بوصفها مواجهة عسكرية تقليدية بين أطراف متخاصمة ، بقدر ما تمثل محطة مفصلية قد تعيد تشكيل ملامح النظام الإقليمي برمته.
لقد تراكمت أسباب التوتر بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى عبر سنوات طويلة، في ظل ملفات شديدة التعقيد تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ، واتساع النفوذ الإقليمي لطهران، وشبكة تحالفاتها مع قوى غير تقليدية في عدد من بؤر الصراع في المنطقة.
ومع انتقال هذه التوترات إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة، فإن تداعيات الصراع لا تقتصر على ساحته المباشرة، بل تمتد إلى دوائر أوسع سياسياً واقتصادياً وأمنياً، لتطال مناطق حيوية بعيدة نسبياً عن مركز العمليات، وفي مقدمتها البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وفي هذا الاتجاة تبرز دول مثل السودان وإريتريا بوصفها جزءاً من المعادلة الجيوسياسية المرتبطة بأمن البحر الأحمر بحكم موقعهما الاستراتيجي على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ومن ثم فإن قراءة التداعيات المحتملة لهذه الحرب على البلدين تكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الإقليمية.
إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط فالحرب كأداة لإعادة رسم التوازنات
من المرجح أن يكون أحد الأهداف الاستراتيجية للحرب الدائرة هو إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. فالصراع مع إيران ظل لسنوات طويلة محوراً رئيسياً في الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، حيث تنظر كل من واشنطن وتل أبيب إلى النفوذ الإيراني باعتباره تحدياً مباشراً لمصالحهما في المنطقة.
وفي هذا الإطار قد تسعى العمليات العسكرية الجارية إلى تحقيق عدة أهداف ، من أبرزها.. تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، خاصة في المجالين الصاروخي والنووي.. إضعاف شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. فرض معادلة ردع جديدة تقلص قدرة إيران على التأثير في التوازنات الإقليمية.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرهوناً بقدرة التحالف الأمريكي – الإسرائيلي على إدارة الحرب دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، وهو احتمال يظل قائماً في ظل طبيعة الصراع المعقدة.
هناك احتمالات اتساع نطاق الصراع حيث تعتمد الاستراتيجية الإيرانية تاريخياً على ما يُعرف بالحرب غير المتكافئة ة، والتي توظف أدوات متعددة تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء الإقليميين.
وقد تشهد الحرب الحالية توسعاً جغرافياً عبر مسارات مختلفة من بينها فتح جبهات جديدة في المشرق العربي.. تصاعد العمليات العسكرية في منطقة الخليج.. استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية عبر حلفاء إيران في المنطقة.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الصراع قد يتحول من مواجهة محدودة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
هناك تداعيات اقتصادية عالمية للصراع ممثلة في اضطراب أسواق الطاقة حطث تعد منطقة الخليج العربي أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط في العالم ، كما أن إيران تمثل لاعباً مؤثراً في معادلة الطاقة الدولية، سواء من حيث الإنتاج أو من حيث موقعها الجغرافي القريب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط.
وفي حال تصاعد الصراع، قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط و اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد الدولي.
كما أن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز قد ينعكس بصورة مباشرة على استقرار أسواق الطاقة العالمية. كما سيؤدي الى تهديد سلاسل الإمداد الدولية.
لا يقتصر تأثير الحرب على الطاقة فحسب بل يمتد إلى منظومة التجارة العالمية فالممر البحري الممتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وكذلك في حال تصاعد التوترات العسكرية في هذه المنطقة ، فإن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن البحري و زيادة أقساط التأمين على السفن التجارية و تأخير حركة التجارة الدولية. وقد تضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يتعافى من أزمات متلاحقة شهدها خلال السنوات الأخيرة .
ان البحر الأحمر يمثل مسرحاً استراتيجياً للصراع لانه يمثل واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة معتبرة من التجارة العالمية والطاقة المتجهة من الخليج إلى أوروبا.
وقد يؤدي تصاعد الصراع إلى زيادة الوجود العسكري الدولي في البحر الأحمر بما في ذلك تعزيز انتشار القوات البحرية الأمريكية والغربية وارتفاع مستوى النشاط العسكري للقوى الإقليمية واحتمالات وقوع احتكاكات عسكرية في الممرات البحرية وتهديد الملاحة في باب المندب الذي يعد أحد أهم النقاط الاستراتيجية في النظام البحري العالمي، إذ يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وأي اضطراب في هذا المضيق قد يؤدي إلى تأثيرات واسعة على حركة التجارة العالمية ، مما يجعل استقرار هذه المنطقة عاملاً حاسماً في تحديد مسار الحرب وتداعياتها الاقتصادية .
بالنسبة لإنعكاسات الحرب على السودان فان الموقع الجغرافي للسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر يعطي أهمية جيوسياسية متزايدة، خاصة في ظل التنافس الدولي والإقليمي المتنامي على النفوذ في هذا الممر البحري الحيوي .
كما ان الموقع الجغرافي للبلاد يجعلها جزءاً من معادلة الأمن البحري في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الاهتمام الدولي بالموانئ السودانية وتصاعد التنافس الإقليمي حول النفوذ في البحر الأحمر و ارتفاع مستوى الضغوط الدبلوماسية على الخرطوم.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية مواصلة السودان في سياسته الخارجية المتوازنة التي تحافظ على استقلال قراره الوطني ، و مواصلة تجنب الإنخراط في محاور الصراع الدولية. مع ضرورة تعزيز و توطيد التعاون الإقليمي في مجال أمن البحر الأحمر.
وكما من المرجح أن تتأثر اقتصادات المنطقة بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية نتيجة الحرب وهو ما قد ينعكس على الاقتصاد السوداني عبر زيادة تكلفة الواردات و تصاعد معدلات التضخم و تراجع النشاط التجاري في حال تدهور الأمن البحري وإمكانية تأثر العمالة السودانية بدول الخليج إذا ما أستهدفت القطاعات الإقتصادية و الإنتاجية بصفة خاصة و إرتدادات ذالك على الداخل السوداني.
ولا يمكن اغفال التداخل مع الأزمة السودانية فإن أي تصعيد إقليمي قد يؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي والأمني ، سواء عبر زيادة التدخلات الخارجية أو عبر إعادة تشكيل التحالفات المرتبطة بالأزمة السودانية
بالنسبة لإريتريا التي تتمتع بموقع جيوسياسي مهم على الساحل الغربي للبحر الأحمر بالقرب من مضيق باب المندب، وهو ما يمنحها أهمية متزايدة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. قد تصبح إريتريا جزءاً من معادلة الأمن البحري المرتبطة بالصراع، نظراً لقربها من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
قد تتيح التحولات الجيوسياسية الراهنة لإريتريا فرصاً لتعزيز حضورها الدبلوماسي والإقليمي، خاصة في مجالات التعاون في أمن البحر الأحمر والشراكات الإستراتيجية مع القوى الدولية والمشاركة في ترتيبات الأمن الإقليمي. في المقابل، فإن تصاعد التوترات الإقليمية قد يخلق أيضاً تحديات أمنية محتملة إذا امتد الصراع إلى الممرات البحرية القريبة من القرن الإفريقي ،
كما قد تشجع هذه التطورات النظام الإثيوبي بإستهداف إريتريا وجرها نحو مواجهة غير محمودة العواقب و غير مرغوبة للأخيرة.
وقد تجد دول مثل السودان وإريتريا نفسها أمام تحد مزدوج يتمثل في التعامل مع بيئة إقليمية متغيرة بسرعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مصالحها الوطنية واستقرارها الداخلي.
وبالنسبة للسودان على وجه الخصوص فإن المرحلة المقبلة تستدعي المواصلة في انتهاج سياستة الخارجية الرشيدة القائمة على مبدأ التوازن والانفتاح، وتعزيز التعاون الإقليمي في أمن البحر الأحمر ، مع الإستمرار في تجنب الانخراط في محاور الصراع الدولية، وتعزيز التنسيق مع إريتريا بل مع كل اللاعبين الأساسيين في الإقليم لمجابهة كل التطورات السالبة في كافة المجالات ، و إستنفار آليات التعاون الإقليمي في هذا الإطار. وقد يكون الحفاظ على الاستقرار الداخلي وبناء شراكات إقليمية متوازنة هو الخيار الأكثر حكمة للدول الواقعة على تخوم الممرات الاستراتيجية الكبرى.
* سفير جمهورية السودان لدى إريتريا




