رأي

د. كرار التهامي يكتب: أمريكا تفشل في ليبيا منذ عقد.. فكيف تنجح في السودان ؟

 

عجزت الولايات المتحدة في معظم محاولاتها عن حل مشكلات الصراعات العسكرية في البلدان المختلفة، وذلك لازدواج أجندتها وتقلب أحوالها السياسية. وفي أغلب الحالات كانت أمريكا جزءًا من المشكلة، بشكل مباشر أو عبر وكيلها السياسي (البروكسي)، كما ظلت تلعب أحيانًا دور الوسيط الملتبس الذي يخلط بين إدارة الأزمة وحلها.

فشلت في الشرق الأوسط ولعبت دور التغذية السالبة للصراع العسكري والسياسي في فلسطين، وحالت دون تنفيذ قرارات الأمم المتحدة. تركت العراق بعد غزوه وتدميره في حالة من الفوضى السياسية والعنف الطائفي، ما أدى إلى ظهور داعش والتطرف الطائفي.

فشلت في لبنان وانسحبت بعد تفجير مقر المارينز، واستمرت في المكايدة السياسية وتأجيج الصدور بين الطوائف والجماعات إلى اليوم. كما فشلت في اليمن فاستمرت الحرب وتفاقمت الأزمة الإنسانية رغم الوساطات الأمريكية.

تدخلت عسكريًا في الصومال بهدف الدعم الإنساني وأرسلت ثلاثين ألف جندي، وتحولت من الدور الإنساني إلى الفاعل السياسي، فتوحّد الشعب الصومالي ضدها وتواثقت القبائل والنخب السياسية على مشروع المقاومة، ومنيت أمريكا بضربة موجعة في معركة مقديشو يوم “سقوط الصقر الأسود”، وانسحبت انسحابًا مهينًا بعد أن جُرّت جثث جنودها في شوارع مقديشو.

رعت اتفاق نيفاشا وقيام دولة جنوب السودان، لكنها تركتها في عاصفة من الصراعات الداخلية ونذر حروب أهلية.
غزت أفغانستان لتأسيس دولة ديمقراطية، وبعد عشرين عامًا فشل مشروعها وعادت طالبان في مشهد مهين لأمريكا وحلفائها الذين سقطوا من شاهق عندما تعلقوا بطائرات الإخلاء في منظر مخزٍ يشبه انسحاب فيتنام.

حاولت بكل الوسائل العسكرية والدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية منذ العام 1999 تغيير نظام الحكم في فنزويلا، ودعمت انقلابين فاشلين وحكومة مصطنعة لم تعمّر طويلًا، كما فشلت محاولات الحصار والمقاطعة بسبب وقوف الشعب مع حكومته.
أكدت تلك التجارب أن أمريكا لا تقدر على كسر إرادة المجتمعات المتماسكة، فإذا اتحد الشعب وتمسك بعزيمته ولم ينقسم، فليس لأمريكا ولا لأي دولة مشيئة عليه.

سلاح الدول المتنفذة هو المقاطعة والحرمان من الخبز المحسن، لكن شعب السودان ليس رخوًا حتى تعيد تشكيل مزاجه وقراراته مطرقة الأوفاك والمنظمات المانحة. وكما يقولون: “البحار الهادئة لا تصنع بحّارًا ماهرًا.”
لقد أبحرت سفينة السودانيين منذ الدولة الكوشية قبل الميلاد في بحار صاخبة من غزوات رومانية وآشورية وأكسومية وتركية وبريطانية، إلى الزمن الراهن حيث المقاطعات ومحاولات الحصار والحرمان من التقنية والمصارف والسفر. فـ”تخنت” جلودنا ولم يعد لدينا ما نخسره.

في لقاء على قناة (بي بي سي) ظل مسعد بولس، رجل الأعمال الملياردير وصهر الرئيس ترامب، يكرر “ضرورة تفادي السيناريو الليبي”، ويردد موضوع ليبيا كثيراً كلما ورد ذكر السودان.

فلماذا فشلت الولايات المتحدة في ليبيا – الأهم استراتيجيا والأكثر ثراءً – وتريد الآن أن تزرع التفاح في السافنا الفقيرة؟ ولماذا يستذكر بولس ليبيا كلما تحدث عن السودان؟ وهل الاعتراف بالفشل في ليبيا دافع لكسر إرادة السودان؟ ولماذا لا تستخدم أمريكا نفوذها لحل مشكلة عالقة منذ أكثر من عقد؟

يعلم أي متابع سياسي أن أمريكا هي السبب في الفوضى والانقسام في ليبيا بسبب مقاربتها للحلول غير العادلة وانحيازها لطرف دون الآخر وتجاهلها لرغبة الشعب. فبعد إسقاط القذافي بصواريخ النيتو انسحبت سريعًا دون خطة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، ما أدى إلى فوضى أمنية وصراع بين الميليشيات.

حاولت واشنطن عبر الأمم المتحدة دعم تشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة فايز السراج قبل عشر سنوات، ثم تركت الحبل على الغارب للقوى الإقليمية الأخرى. فاستمر الانقسام بين حكومة الشرق (حفتر) وحكومة الغرب (السراج).
وفشلت أمريكا في توحيد الموقف الدولي، وأصبحت تمارس سياسات متقلبة بين الحكومة الشرعية وحكومة حفتر، على خلفية المناخ الحزبي الداخلي وجماعات الضغط وقدرة الوسطاء وسماسرة العلاقات العامة على اختراق لجان الكونغرس.

هذا التناقض أضعف دورها كوسيط، وسمح لروسيا وتركيا بالتدخل العسكري المباشر.
عشر سنوات وأمريكا عاجزة عن قيام حكومة موحدة أو إجراء انتخابات في ليبيا، فكيف تتهافت اليوم على السودان وتريد حل أزمته في عشرة أيام، وتمارس الإملاءات على السودانيين فيمن يحكمهم وكيف يُحكمون؟
إنها رغبة في “هز ذيل الكلب” بموضع هامشي في نظرهم كحرب السودان، وربما لظنهم الخاطئ أن السودانيين سهلوا القياد، أو لأن بعضهم انتهازيون يقبلون بالدنيئة، وبعضهم يخاف لمجرد ذكر أمريكا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!