رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: وزراء في مهام مريبة

 

0 يتواجد وزير الدولة بالمالية محمد نور عبد الدائم في تركيا منذ أكثر من أسبوع أو يزيد.. في زيارة تكشف بوضوح وجود صراع داخلي لا يقتصر على حدود الصلاحيات وتوزيع المهام بين أهم وزارتين اقتصاديتين.. بل يمتد إلى محاولات الاستحواذ على صفقات وعقود خارجية.. قد تهدد جهود إعادة إعمار القطاعات الحيوية، خصوصاً المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية.. هذه التحركات تعكس حالة من التمرد على مؤسسات الدولة، وتظهر رغبة بعض المسؤولين في العمل بعيداً عن الأطر الرسمية.. ولو على حساب المصلحة العامة، الأمر الذي يضر بثقة الشركاء الدوليين في السودان.
0 زيارة محمد نور جاءت بعد نحو عشرة أيام فقط من زيارة مماثلة إلى تركيا قام بها وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم.. الزيارتان حملتا قدراً كبيراً من الغرابة والريبة، فالتفاصيل تشير إلى أن أمراً ما يدور في الخفاء.. فقد قاد المعتصم وفداً رفيع المستوى ضم وزير العدل، وكيل المعادن، مدير شركة أرياب.. مدير الأبحاث الجيولوجية، وممثل مفوضية الاستثمار.
0 والأكثر إثارة للدهشة كان مرافقة ما يسمى بـ “المبعوث الخاص لرئيس الوزراء” حسين الخليفة (الحفيان) لهذا الوفد.. وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة، خاصة مع ما يتداول عن دوره في تعيين المعتصم وزيراً.. وتزداد الشكوك مع ما أثير سابقاً حول خبرة الوزير وسيرته الذاتية، التي نشرتها “الشعب”.. قبيل أدائه القسم. فقد تحققت الصحيفة من المعلومات عبر مهندسين وفنيين عملوا معه.. وتبين أن ما ورد في سيرته عن عمله في الإدارة الفنية بوزارة الطاقة غير صحيح.. إذ نفى مهندس عمل في ذلك القطاع أن يكون للمعتصم أي دور فيها.. كما اتضح عدم صحة ما ذكره بشأن إدارته لمشاريع المنشآت البترولية في الجيلي، فضلاً عن ادعائه رئاسة اللجنة الفنية للمشاريع.. بينما أكدت المصادر أنه كان مجرد عضو فيها دون متابعة أو إشراف على التنفيذ.
0 حسناً.. تزداد علامات الاستفهام حول توقيع وزير الطاقة لاتفاقيتي عدم إفصاح (NDA) مع الجانب التركي في قطاعي النفط والمعادن.. فالاتفاقيات من هذا النوع تحجب معلومات حساسة تتعلق بالحقول والمناجم وبيانات الإنتاج والدراسات المالية.. ما يطرح سؤالاً أساسياً هل حصل المعتصم على تفويض رسمي من مجلس الوزراء قبل التوقيع.. كما هو معمول به في الدول المتقدمة؟ ففي السعودية، على سبيل المثال، يتم تفويض الوزراء بشكل واضح وعلني قبل التباحث أو توقيع أي مذكرة تفاهم.. ويعلن عن ذلك عقب جلسة مجلس الوزراء.. إذ فُوض الأسبوع الماضي وزير الثقافة لمناقشة مذكرة مع نظيره النيجيري، كما فُوّض وزير التربية للتباحث مع الجانب البحريني حول مشروع مذكرة تعاون علمي وتعليمي.. كل شئ تحت الأضواء الكاشفة.
0 ومن مفارقات في زيارة المعتصم أنه لم يحسم ملف “البارجة التركية” التي تغذي بورتسودان بالكهرباء.. رغم أن هذا الملف يكتنفه الغموض منذ توقيع عقده عام 2018.. لم يوضح الوزير نسبة خفض التكلفة التي قال إنه يتفاوض بشأنها، ولم يذكر تفاصيل التكلفة إطلاقاً.. وينسحب هذا الغموض أيضاً على ملف مصنع المحولات. فقد عاد المعتصم من تركيا حاملاً ملفاً لتوريد أكثر من 1200 محول كهربائي لدعم الشبكة القومية وإعادة الإعمار، إلى درجة أن وكيل الوزارة التقى والي الجزيرة وتعهد بتزويد الولاية بعدد من المحولات.
0 أما زيارة محمد نور فتبدو الأكثر غموضاً والملفوفة بشبهات أكبر من زيارة المعتصم.. فقد عقد سلسلة اجتماعات فنية مع شركات تركية عاملة في مجالات الطاقة والكهرباء والمياه وإدارة النفايات والطاقة المتجددة.. وهي مجالات تعد اختصاصاً أصيلاً لوزارة الطاقة والنفط، التي تشرف كذلك على ملف الكهرباء.. وقدم نور خلال اللقاءات عروضاً تفصيلية حول احتياجات السودان.
0 كما اجتمع مع عمدة أنقرة ومحافظ البنك المركزي التركي، وبحث مع رئيس وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا).. فرص التعاون في قطاع الكهرباء، في ما بدا وكأنه يؤدي دور وزير الطاقة نفسه.. ولم يتوقف برنامجه عند هذا الحد، بل شمل أيضاً زيارة مصنع المحولات ذاته، حيث ناقش عمليات إنتاج المحولات الكهربائية.. وبحث مع محافظ المركزي فرص التعاون في مجال المعادن، خاصة الذهب، بما يشمل دعم عمليات تنقيته رغم ان وزير النفط سبقه في هذا الملف وكان بمعيته وكيل المعادن.
0 وتركزت لقاءات نور كذلك على ملفات رفع الأنقاض وإدارة النفايات، وضم وفده أمينة مجلس البيئة بولاية الخرطوم.. رغم أن هذه مهام تقنية تختص بها جهات أخرى أو سلطات محلية مثل ولاية الخرطوم مع بلدية أنقرة أو إسطنبول.. وهذا يثير سؤالاً حول أسس زيارة وزير الدولة بالمالية لهذا المصنع قبل أيام.. في خطوة تزيد من اضطراب حدود الصلاحيات بين الوزراء.
0 كل ما جرى في رحلتي الوزيرين يستدعي تحقيقاً عاجلاً.. فقد أرسلا رسائل متناقضة حول من يملك صلاحية التفاوض وإبرام الاتفاقيات الاستراتيجية.. ما يؤدي بطبيعة الحال إلى إضعاف الشراكات الخارجية وتعطيل المشاريع الحيوية وتشويش مسار إعادة الإعمار في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد.
0 ومهما يكن من أمر.. أعلن وزير الطاقة عن زيارة مرتقبة لنظيره التركي إلى السودان. وربما عند وصوله تتكشف الحقائق بوضوح أكبر. ماذا عمل وزراؤنا في تركيا؟ سؤال بات ينتظر إجابة.

الاثنين 17 نوفمبر 2025
osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!