أسامه عبد الماجد يكتب: وقود الغضب !!

0 تكشف أزمة الوقود التي تعيشها البلاد هذة الأيام عن خلل عميق في إدارة الدولة عموماً وليس الحكومة فحسب.. من تراجع لفاعلية المؤسسات وغياب السياسات وصدور قرارات لا تنعكس على حياة المواطنين.. وتجاوزت الأزمة وصف نقص في الإمدادات و ارتفاع في الأسعار واثبتت عجز الحكومة في التخطيط وإدارة الموارد وتحمل المسؤولية.
0 خلال ثلاثة أيام متتالية في يونيو الماضي قدمت الحكومة حلولا مربكة ومن عدة جهات لمعالجة ملف الوقود.. في 11 يونيو ترأس عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر اجتماعا.. لبحث توفير المشتقات البترولية وكبح سعر الصرف.. مع الإعلان عن تفعيل لجنة التركيبة التسعيرية للوقود.. وفي اليوم التالي طُرح خلال اجتماع برئاسة كامل ادريس توجهٌ لدخول الدولة مباشرة في استيراد المشتقات للسيطرة على السوق.. ثم جاء اجتماع رئيس مجلس السيادة مع البنك المركزي في 14 يونيو ليتم الاعلان عن فرض ضمان عيني على شركات الاستيراد يتمثل في إيداع 200 كيلوجرام من الذهب.
0 ولم يتوقف الأمر عند هذه الإجراءات إذ أُسند الإشراف على ملف الوقود إلى عضو مجلس السيادة شمس الدين كباشي.. قبل أن يصدر البرهان أمس ثلاثة قرارات بإعادة المؤسسة السودانية للنفط إلى العمل بعد حلها قبل نحو سبعة أعوام.. وإعادة تعيين أمينها العام السابق.. وتشكيل مجلس للنفط برئاسته.
0 تكشف هذه التحركات عن خلل في إدارة الملف وتحديد المسؤوليات.. وتثير مخاوف من أن تتحول القرارات المتتابعة إلى تفاقم الأزمة.. فاصبحت المشكلة مركبة ..تعدد الإجراءات وغياب إطار واضح يربط بينها ويحدد أولويات التنفيذ.. ويضمن كذلك خضوعها للتقييم.
0 لفهم الأزمة لا بد من العودة إلى أسبابها الاقتصادية.. فقد أدى توقف مصفاة الجيلي مع اندلاع الحرب إلى تغيير طريقة توفير الوقود.. فكانت المصفاة قبل الحرب تغطي ما بين 60 و65 في المائة من احتياجات البلاد.. بينما كان القطاع الخاص يوفر نحو 35 إلى 40 في المائة.. وبعد توقف المصفاة زاد الاعتماد على استيراد الوقود عبر القطاع الخاص.. وأصبحت السوق أكثر تأثرا بتكاليف التمويل وتوفر النقد الأجنبي وتقلبات سعر الصرف.
0 كان هذا التحول يستوجب خطة متكاملة تجمع بين تأمين الإمدادات العاجلة.. وتنظيم الاستيراد والتوزيع، ومعالجة اختلالات التمويل.. والعمل على إعادة تأهيل المصفاة وتشغيلها متى توافرت الشروط الأمنية والفنية والمالية.. أصبح الاستيراد ضروريا في الظروف الحالية لكنه لا يمكن أن يكون بديلا دائما عن استعادة القدرة المحلية على تكرير النفط.. كما أن إجراءات التسعير والضمانات وحدها لا تكفي لحل الأزمة.. لأنها ترتبط بعوامل الإنتاج والتمويل والنقد والإدارة.
0 صحيح أن الحرب فرضت قيودا قاسية على إمكانات الدولة وألحقت أضرارا جسيمة بالاقتصاد.. لكن هذه الظروف تجعل التخطيط أكثر ضرورة فمحدودية الموارد تفرض حسن إدارتها.. وأي خلل في ترتيب الأولويات أو توزيع المسؤوليات يضاعف كلفة الأزمة على الحكومة والمواطن معا مثلما نرى اليوم.
من تمدد طوابير السيارات أمام محطات الوقود ساخرة من رئيس الوزراء.. مع استمرار المعاناة رغم توالي التحركات الرسمية.
0 ولا يبدو هذا الخلل معزولاً عن بقية الملفات الاقتصادية فتكرر الاضطراب في التعامل مع أزمات الدقيق والسلع الأساسية يشير إلى مشكلة كبيرة في منهج الحكومة في ادارة الملفات الاستراتيجية.. تتعلق بضعف التنسيق وغياب التخطيط المبكر وهذا ما يجعل إصلاح آلية صناعة القرار ضرورة تتجاوز أزمة الوقود.. إلى قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد والخدمات الأساسية عموما.
0 إن استمرار هذا النهج أضعف ثقة المواطنين في الحكومة.. واربك السوق واهدر الموارد في وقت لا يحتمل فيه الاقتصاد مزيدا من تلقي الصدمات.. كما أن غياب الشفافية بشأن مبررات القرارات فتح المجال للشائعات وأضعف قدرة السوق على التعامل مع سياسات الحكومة مما احدث شللا في الحياة خاصة في العاصمة.
0 كفى لجان جديدة.. المطلوب اليوم إصلاح جذري لطريقة إدارة الملف يبدأ بتحديد جهة تنفيذية واحدة مسؤولة عن تأمين الوقود “مؤسسة النفط”.. شريطة عدم التدخل ضمن خطة تجمع بين الحلول العاجلة والمعالجة طويلة الأمد.. وتحدد الأولويات والموارد والجدول الزمني للتنفيذ.. ويقتضي ذلك إصلاح المؤسسات المعنية.. وإسناد القرارات الفنية إلى أصحاب الاختصاص اكرر أصحاب الشأن.. وإشراك الخبراء والقطاع الخاص وعدم تجاوزه .. وربط سياسات الوقود بمعالجة مشتكل سعر الصرف وتوفير النقد الأجنبي.. الأهم أن تقترن هذه الخطة بالشفافية من خلال إعلان أهداف القرارات ومتابعة تنفيذها.. وتقييم نتائجها وتحديد المسؤولية عن الإخفاق.
0 على الحكومة ان تدرك ان غضب الشارع لا يأتي فجأة وانما يتراكم مع استمرار الأزمات.. وتكرار الوعود دون تنفيذ وصدور قرارات لا تغيّر واقع الناس.. وعلى حكومة الألم أن تدرك أن صبر المواطنين له حدود.. وأن معاناتهم مع الجوع والعطش وأزمة الوقود لا يمكن أن تنتهي بالتصريحات وتشكيل اللجان.
0 ومهما يكن من أمر.. إما أن تتحرك الحكومة بجدية وتقدم حلولاً حقيقية.. أو تواجه غضباً شعبياً قد يصعب احتواؤه.
الخميس 22 اكتوبر 2026
osaamaaa440@gmail.com



