رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: الأفضل لـ (مُفضل)

 

0 تابعت خلال الأيام الماضية عدداً من الكتابات والتحليلات التي تناولت زيارة مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أحمد مفضل إلى الولايات المتحدة.. والقاسم المشترك بين معظمها كان قدراً لافتاً من التهويل والمبالغة.. وكأن مخرجات الزيارة كفيلة بإنهاء تمرد المليشيا خلال أيام أو إحداث اختراق جذري وفوري في مسار الحرب.
0 في تقديري هذا الطرح لا يخدم الجهاز ولا مديره.. بل يضعهما تحت سقف توقعات أعلى من الواقع، بما قد ينعكس سلباً على تقييم الأداء لاحقاً.. وليس في هذا أي تقليل من أهمية الزيارة فهي بلا شك مهمة.. وللعلم فان مشتركات السودان مع امريكا معروفة منذ سنوات وفي مقدمتها.. ملفات مكافحة الإرهاب، تبادل المعلومات والتنسيق الاستخباري .. لكن الفرق كبير بين قراءة سياسية متزنة، وبين تضخيم إعلامي قائم على التمنيات أكثر من الحقائق.
0 بعيداً عن خزعبلات توصيف الزيارة أمريكياً باعتبار السودان ملف أمن إقليمي ودولي – وهي توصيفات تفتقر في كثير من الأحيان للدقة – فإن بعض من اندفعوا في تضخيم الزيارة ربما استندوا فقط إلى ورود الخبر في إحدى وكالات الأنباء.. دون إدراك أن مديري جهاز المخابرات المتعاقبين منذ عهد الإنقاذ .. لم تنقطع زياراتهم إلى واشنطن بل إن بعضهم كان يزورها عدة مرات في العام.. وحتى سلف مفضل.. الفريق أول جمال عبد المجيد، زار واشنطن في إطار مهامه، أما مفضل نفسه فهذه – على الأرجح – زيارته الرابعة منذ توليه المنصب.
0 ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في الزيارة، بل في طريقة تسويقها إعلامياً.. فما يرشح عن الجهاز في الإعلام يحتاج إلى إعادة نظر جادة من قيادة الجهاز.. وترتيب دقيق يترك أمر التعاطي الإعلامي لإدارة مختصة.. لا لمقربين أو مجتهدين، او سماسرة.. ومع التغيير الذي تم الأن على مستوى إدارة الإعلام بالجهاز – والتي لم تقدم ما يذكر – وهو تغيير في اطار تنقلات وترقيات دورية ولكن جاء في وقته نتوقع مراجعات أعمق في ملف الإعلام.
0 ألاحظ منذ فترة ليست بالقصيرة أن الجهاز رغم خبرات كوادره وقيادته.. وقع فريسة للتناول الإعلامي غير المنظبط وصاحبب غرض.. مثال ذلك التعاطي مع خبر مسرب عن مغادرة مفضل لموقعه.. وكيف تحول الأمر إلى ما يشبه حملة تعاطف مصطنعة.. ثم جاء خبر آخر مجهول المصدر يتحدث عن تجديد الرئيس عبد الفتاح البرهان الثقة في مفضل.. وكأن الرئيس كان قد أسر لبعضهم بنيته إعفاءه ثم تراجع.. أعقب ذلك سيل من المقالات التي تشكر البرهان – يكون احتار – على الإبقاء على مفضل وتمتدح الأخير وكأن البلاد كانت على شفا فراغ استخباري.
0 لا خلاف على أن مفضل وأركان حربه يستحقون التقدير.. وابلى بلاء حسناً في المعركة وكان له سهمه الوافر في تثبيت الدولة السودانية.. لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن يقع الجهاز ومديره في فخ التحشيد الإعلامي والسماسرة.. فذلك يفتح أبواب الابتزاز ويهدر طاقات الجهاز في معارك انصرافية.. ويشتت ذهن مديره بتصويره كأنه مستهدف.. ويهيئ بيئة خصبة لترويج معلومات مضللة عن خلافات بين الجهاز وشخصيات سيادية.
0 الأخطر من ذلك أن هذا المناخ يمثل فرصة ذهبية لأجهزة مخابرات إقليمية.. خاصة في دول الجوار لاستثماره عبر نشر الشائعات.. أو استقطاب أقلام مأجورة لتنفيذ هذه المهمة بأدوات ناعمة.. في المقابل يملك الجهاز فرصة حقيقية يجب ألا تهدر.. فقد حظي بتعاطف واسع وتأييد شعبي واضح بعد اندلاع الحرب.. وارتفعت الأصوات المطالبة بعودة صلاحياته كاملة.
0 كما كسب احتراماً كبيراً بانخراط عناصره في الدفاع عن الوطن.. وكثير منهم لبى النداء بدافع وطني خالص، حتى من كانوا خارج المؤسسة.. وشردهم الباغي الشقي حميدتي وحلفائه في قحت.. هذه الصورة الإيجابية لا تحتاج إلى كتابات متعجلة أو فطيرة.. بل على العكس أصبحت بعض هذه الكتابات – كتابات والسلام – خصماً على الجهاز كمؤسسة وعلى مديره شخصياً.
0 من المهم جداً أن يحافظ الجهاز على مسافة مهنية متزنة ومنضبطة بينه وبين الإعلام.. ولا ينبغي أن يفهم هذا المقترخ باعتباره دعوة لمقاطعة الإعلام.. فالجهاز حتى في أكثر فتراته تشدداً، فتح أبواب رئاسته واحتضن حفلات وفعاليات وطنية.. كما لا نريد لمفضل ان يكون حديث المجالس ومحل مباهاة لعلاقة البعض به.. كما كان يستعرض مصلح نصار علاقته بالبرهان في المجالس وتواصله معه عبر “واتساب”.
0 التحدي الأكبر أمام المخابرات اليوم يتمثل في إسهامه المعلوماتي لا العسكري في كسر شوكة التمرد.. ولعب دور فاعل تجاه القبائل التي تغذيه.. وبناء شبكة علاقات خارجية قوية وتعاون استخباري حقيقي تظهر نتائجه على الأرض.. وواقع الحال يقول إن العلاقة مع واشنطن حتى الآن لم تخرج كثيراً عن إطار ما قبل الحرب.. إلى جانب ذلك ينتظر من الجهاز دور أكبر وأكثر حسماً في الملف الاقتصادي.. فالحديث عن الفساد وتمدد رجال أعمال على حساب الدولة خاصة في قطاع المشتقات البترولية وثراء فاحش لبعضهم.. وسطوة شخصيات نسائية نافذة داخل مكاتب مسؤولين كبار انتقل من محطة الهمس الى الجهر.
0 ناهيك عن تقديمه لمقترحات مع المعلومات التي يرفد مكتب الرئيس.. وكذلك قضايا الصادر والوارد والمواصفات وغيرها من الملفات الحساسة.. ولعل مفضل بحكم خبرته السابقة في إدارة الأمن الاقتصادي أدرى بتعقيدات هذا الملف من غيره.. ويحتاج كذلك ان يدفع بعناصر قوية وصاحبة رؤية في المحطات الخارجية.. ونأمل ان يكون تم ذلك في التنقلات الأخيرة.. ان الجهاز لا يحتاج إلى تهليل إعلامي بقدر ما يحتاج إلى هدوء مهني.. وانضباط في الرسائل وتركيز على المهام الحقيقية.. فالقوة الحقيقية للأجهزة الاستخبارية لا تقاس بحجم ما يكتب عنها، بل بما تحققه في صمت.
0 ومهما يكن من أمر.. كلما ابتعد الجهاز عن ضجيج التهويل اقترب أكثر من أداء دوره الوطني.. كما ينبغي وبما يليق بخطورة المرحلة.

السبت 24 يناير 2026
osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!