رأي

د . محمد حمد محمد يكتب: عودة الأمل وصمود الأرض

لم تكن عودتي إلى السودان مجرد رحلة عبر الزمن أو المسافات، بل كانت لحظة حاسمة من الأمل، والرجوع إلى قلب وطن ينبض بالصمود في وجه التحديات الكبرى. بعد غياب دام 18 شهرًا، حيث عصفت الحروب والأزمات بهذا الوطن العظيم، وصلت إلى بورتسودان، تلك المدينة الساحلية التي باتت رمزا للثبات والقوة أمام العواصف. وفي تلك اللحظة، شعرت بأن العودة لم تكن مجرد عودة إلى جغرافيا الوطن، بل إلى قلبه النابض بالحياة، الذي لا يزال يحمل إرثًا عظيمًا من الأمل والعزيمة.

لحظة لا تُنسى
عندما وطأت قدماي أرض بورتسودان، كان هناك شعور عميق يملأ قلبي. لم يكن مجرد إحساس بالانتماء، بل كان نبض الأرض نفسها يقول لي: “رغم كل المصاعب، لا يزال هناك أمل”. في تلك اللحظة، أدركت أن السودان، على الرغم من التحديات والظروف القاسية، لا يزال يمتلك قوة غير قابلة للكسر. الرياح التي تعصف بكل شيء من حولنا، كانت تحمل في طياتها عبق الماضي المجيد وأمل المستقبل المشرق.

صمود لا يُقهر
في هذا الوقت العصيب، كان الجيش السوداني، هو الدرع الواقي لهذا الوطن. لم تكن الانتصارات العسكرية مجرد محطات في مسار طويل، بل كانت رسالة للعالم بأن السودان، رغم كل الأزمات، يمتلك الإرادة التي لا تهزم. الجنود السودانيون، الذين يثبتون كل يوم شجاعتهم وتفانيهم، يقدمون صورة حية للمعنى الحقيقي للوطنية، وأن وطنهم لن يتخلى عن هويته ومستقبله مهما كانت التحديات.

المهن الطبية والصحية
بينما تعصف بالبلاد أزمات على مختلف الأصعدة، كان هناك شعاع من الأمل ينبعث من العمل الجاد الذي تقدمه المؤسسات الوطنية. في مقدمة هذه الجهود، يأتي المجلس القومي للمهن الطبية والصحية، الذي كان لي شرف المشاركة في اجتماعاته الوطنية. تحت إشراف امينه العام د. زكي محمد البشير،، انطلقت رؤية واضحة لتطوير المهن الطبية والصحية في ظل هذه الظروف الاستثنائية. كان هناك إجماع بين كبار المفكرين والمختصين على ضرورة التعاون المستمر لتحسين الواقع الصحي والطبي في السودان.
أود أن أعرب عن امتناني العميق لقيادات المجلس خاصة د. زكي محمد البشير، ود. مروة ودكتور الصادق ود. فزاع عبدالله عبدالسيد، وكافة أعضاء المكتب التنفيذي وقيادات المجلس بالولايات والدوائر المهنية بالمجلس. لقد كانوا مثالًا للإصرار والعزيمة في العمل، في ظروف بالغة الصعوبة. كما لا يمكنني إلا أن أوجه الشكر والتقدير لكل من د. مالك عبد الله ود. مصطفى محمد نور على إسهاماتهما القيمة في تطوير النظام الصحي والطبي.
وقد فتحت ثورة التعليم العالي، آفاقًا جديدة في مجالات المهن الطبية والصحية. فقد تم افتتاح كليات رائدة، مثل كلية النهضة، التي تديرها د. إيمان بشير نور الدائم، والتي تمثل خطوة مهمة نحو تطوير التعليم في هذه المجالات الحيوية.
وتُعد فرصة كبيرة لشباب السودان لتحقيق طموحاتهم الأكاديمية والمهنية على أعلى المستويات.

ادوار مهمة
في هذه الظروف الصعبة، لا يمكن تجاهل الدور الحيوي الذي يقوم به رئيس الوزراء المكلف، عثمان حسين عثمان، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية، أثبت كفاءته العالية في اتخاذ القرارات التي تهدف إلى تحسين التنسيق بين الوزارات، والارتقاء بمستوى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم.
وفي هذه الفترة الصعبة برز وزير الصحة، د. هيثم محمد إبراهيم، كأحد الأبطال الذين يقودون الجهود الكبيرة في قطاع الصحة. من خلال خبراته العميقة وعلاقاته المتميزة مع المنظمات الدولية، نجح في جلب القوافل الطبية والإغاثية لدعم المناطق المتضررة من الحرب. كما لعب دورًا محوريًا في مكافحة الأوبئة التي تفشت نتيجة النزاع، مما ساعد في تخفيف معاناة المواطنين.
على الرغم من الصعوبات التي ترافق الحرب، شهد القطاع الصحي طفرة ملحوظة في كيفية التعامل مع الأزمات الصحية. تحت قيادة هيثم، تم تحسين القدرة على مواجهة الطوارئ الصحية، سواء من خلال تعزيز الإمكانيات المحلية أو عبر الشراكات الدولية.
الحفاظ على الاستقرار
في مواجهة التحديات الأمنية الداخلية والخارجية، لعب جهاز المخابرات والشرطة دورًا محوريًا في الحفاظ على الاستقرار والأمن الوطني. كانت الأجهزة الأمنية بقيادة الفريق اول أحمد مفضل، والاستخبارات العسكرية بقيادة الفريق محمد أحمد صبير، قد نجحت في كشف واحباط المخططات التي كانت تهدد أمن البلاد. كما كانت الشرطة في طليعة الصفوف لحماية المواطنين السودانيين والوقوف في وجه التهديدات. ولا ننسى ادوار لمقاومة الشعبية والمستنفَرين والقوات المشتركة.
أود أن أوجه شكري وتقديري لكل سفاراتنا في الخارج، وخاصة سفارة السودان في المملكة السعودية، التي حققت طفرة حقيقية في توطيد العلاقات بين البلدين. كان لدور السفير دفع الله الحاج علي،، والوزير المفوض محمد إبراهيم الباهي، نائب رئيس البعثة، دور كبير في تعزيز العلاقات الدبلوماسية والتعاون المشترك، بجانب طاقم السفارة، الذي يضم عددًا من الكفاءات العالية

ختاما:
رغم كل المصاعب التي يمر بها السودان، تظل أرضه مليئة بالأمل والفرص. الشعب السوداني، الذي ظل طوال تاريخه في مواجهة التحديات، يظل المصدر الرئيسي للنهوض بالوطن. هناك إشارات أمل واضحة في الأفق، ومع الإصلاحات الهيكلية الجارية في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم، يبدو أن الطريق نحو المستقبل سيكون أكثر إشراقًا. ونحن جميعًا مسؤولون عن بناء هذا المستقبل المشرق والمستدام.
إن السودان سيظل قويًا، سيعود أقوى، وسيبني غدًا أفضل بفضل عزيمة شعبه التي لا تلين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!