السفير د. إبراهيم البارودي يكتب: السفارة “الكنتين”

تناقلت الأجيال بوزارة الخارجية مقولة لوزير الخارجية في أواخر الخمسينيات الأستاذ أحمد خير المحامي الذي جمع سفراء السودان وطرح عليهم أسئلة محددة عن حجم التبادل التجاري مع البلدان التي يمثلون السودان بها وأرقام الصادرات السودانية لها وكم بلغت عائداتها النقدية وغيرها من التفاصيل التجارية والاقتصادية حتى سئم أحدهم وقال للوزير هل تريدنا أن نحول سفارات السودان إلى كناتين ؟!!! فأجابه الوزير أحمد خير نعم أريدكم أن تجعلوها كناتين لبيع صادرات السودان وشراء احتياجاته من مدخلات الانتاج وغيرها.
أصبحت هذه المقولة الانطلاقة الأولى لدبلوماسية التنمية في العمل الدبلوماسي وتعاقبت بعد ذلك أدبيات هذا التوجه على مر السنين وقد حمل آخر مؤتمر لسفراء السودان بالخارج في العام ٢٠١٨ شعار دبلوماسية التنمية وخرج بتوصيات وخطط لتفعيل دور سفارات السودان في دعم مسيرة التنمية بالبلاد وجذب الاستثمارات الاجنبية وزيادة حجم التبادل التجاري مع دول العالم .
فحقيقة الأمر أن بلدا مثل السودان وقلما تجد مثيله من حيث حجم الموارد الطبيعية التي اجتمعت به من مصادر مياه سطحية وجوفية وأراضي زراعية بكر خصبة بمساحات مد البصر وما وراء الأبصار وثروة حيوانية تعد بعشرات ملايين الرؤوس وموارد معدنية متنوعة وثروة نفطية مهولة كما تشير الدراسات وإطلالة بحرية رحبة وموقع استراتيجي فريد.
بلد كهذا حرِّي بدبلوماسيته أن تجعل همها الأول وشغلها الشاغل هو توظيف علاقات السودان الخارجية وتوجيهها نحو جذب الاستثمارات وبناء علاقات اقتصادية راسخة مع دول العالم وعقد شراكات استراتيجية لاستقدام الشركات ورؤوس الأموال والتقنيات الحديثة لاستغلال موارد السودان وتأهيل كوادره الوطنية عبر التدريب والبحث العلمي وفتح الأسواق العالمية للمنتجات السودانية بعد تجويدها بالقيمة المضافة التي تتيح لها المنافسة وجلب العائدات المرجوة خاصة لسلع مثل اللحوم والجلود والخضروات والفاكهة والصمغ العربي والحبوب الزيتية والقطن. فالسودان يحتاج لجلب التقنيات في مجالات الزراعة والصناعة والتعدين ويحتاج لإبرام إتفاقيات مع دول الأسواق العربية والأفريقية والعالمية لتوفير ما تحتاجه من المنتجات السودانية المطلوبة والمرغوبة بعد أن تصبح قادرة على الاستجابة لمتطلبات الأسواق العالمية وفق المواصفات والمعايير ذات الجودة العالية.
الشواهد من حولنا والتاريخ من قبلنا يحدثوننا أن الأمم والشعوب منذ أن قطنت كوكب الأرض عاشت وتعيش على تبادل السلع والمنافع لأن غاية الإنسان هي الحصول على حاجته من الضروريات من غذاء وكساء إلى كل أسباب الرفاهية وهذا لا يتحقق إلا عبر حركة التبادل التجاري والنشاط الاقتصادي عبر عملية الصادر والوارد التي لا غنى لأية دولة في العالم عنها لأسباب تتعلق باختلاف المناخات وتعدد الثروات وتقسيم العمل الدولي.
فالدول الواعية هي التي تحسست مواقع تميزها وعظمت من مقدراتها برفع كفائتها وقيمتها السوقية ودفعت بها إلى الأسواق العالمية لجلب العملات الصعبة التي تمكنها من إحداث التوازن في ميزانها التجاري ومقابلة وتعظيم احتياطيها النقدي وتوفير احتياجاتها التنموية سعيا لتحقيق مجتمع الرفاهية وهي غاية العملية الاقتصادية التي انبثقت منها كل نظريات التنمية والاقتصاد.
سفير السودان لدى النيجر




