السفير حسن عبدالسلام يكتب: السودان والغرب.. بين حظر السلاح وإطالة الحرب (2-1)

تقود الولايات المتحدة الأمريكية في الاونة الاخيرة بوصفها (حاملة القلم) في مجلس الأمن الدولي والمكلفة بمتابعة ملف العقوبات التي تجدد سنوياً على دارفور، حراكاً مكثفاً داخل اروقة المجلس للدفع بمشروع قرار يهدف إلى توسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية بدلاً من اقتصاره على دارفور كما هو قائم منذ أكثر من عقدين. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في بيان وزراء خارجية مجموعة السبع الصادر في 14 يوليو 2026 بشأن مدينة الأبيض، والذي دعا مجلس الأمن صراحةً إلى إقرار هذا التوسيع.
ولا يمكن في تقديري فصل هذا التحرك عن الضغوط السياسية الأوسع التي تمارسها الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية على الحكومة السودانية لدفعها إلى القبول بأجندة سياسية وأمنية تتصل برؤيتها لكيفية إدارة الحرب وتسويتها وترتيبات ما بعدها. وتطرح حماية المدنيين في هذا السياق باعتبارها المبرر الأخلاقي والإنساني لهذه الضغوط، بل قد تتحول إذا لم تضبط بمبادئ السيادة وعدم التدخل إلى مدخل لتبرير تدخل أوسع في الشأن السوداني بما يخدم تصورات ومصالح هذه القوى أكثر مما يستجيب بالضرورة لتعقيدات الواقع السوداني ومتطلبات إنهاء الحرب.
ان الدول التي تدفع باتجاه توسيع الحظر تؤكد في الوقت نفسه التزامها بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه وترفض أي مساعٍ قد تفضي إلى تقسيم البلاد. غير أن الاختبار الحقيقي لهذه المواقف في النتائج العملية للسياسات المقترحة. فإذا كان الحظر الشامل سيقيد قدرة الدولة ومؤسساتها النظامية على استعادة سيادتها على أراضيها، بينما تظل شبكات الإمداد الخارجي والتهريب مفتوحة أمام الجماعات المسلحة، فإن النتيجة قد تكون على النقيض تماما من الأهداف المعلنة إطالة أمد الحرب وتثبيت واقع عسكري منقسم، وتهيئة الظروف لاستدامة سلطات موازية تهدد وحدة السودان.
إن التساؤل الجوهري لا ينصب على النوايا المعلنة للولايات المتحدة والدول الغربية ولا على مشروعية مبدأ حماية المدنيين في حد ذاته، وهو مبدأ لا خلاف عليه، وإنما على مدى اتساق الوسائل المقترحة مع هذه الغاية. فهل يؤدي حظر شامل للسلاح، في مسرح حرب غير متكافئة تتغذى من شبكات إمداد خارجية ومسارات تهريب عابرة للحدود، إلى حماية المدنيين فعلًا؟ أم أنه، في غياب آليات رادعة لوقف الدعم الخارجي للمليشيات وإغلاق طرق إمدادها، سيتحول إلى أداة ضغط على الحكومة السودانية وقيد يكبل الدولة ومؤسساتها النظامية، بينما تواصل الجماعات المسلحة التزود بالسلاح عبر قنوات لا تخضع لرقابة الدولة ولا لضوابط التجارة الرسمية؟
التناقض بين رواية أمريكية وغربية تجمع بين الحديث عن حماية المدنيين واحترام سيادة السودان ووحدته وبين سياسات قد تقود في تطبيقها العملي إلى إضعاف الدولة دون وقف مصادر تسليح المليشيا ومن ثم لا تحقق حماية المدنيين بل قد تسهم في إطالة الحرب وتكريس الانقسام الذي تعلن تلك الدول نفسها رفضه.
فالنقاش هنا لا يرمي إلى تمجيد الحرب أو تبرير أي انتهاك للقانون الدولي الإنساني، كائناً من كان مرتكبه وإنما إلى الدفاع عن مبدأ أسبق وأعمق حق السودان الأصيل بوصفه دولة ذات سيادة وعضوا في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في الحفاظ على كيانه ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية والتصدي لمشروع عسكري وسياسي مواز يُنذر بتمزيق أوصال البلاد، مع التزام الدولة، في الوقت ذاته، بمسؤوليتها في حماية المدنيين ومحاسبة كل من يثبت ارتكابه انتهاكات.
في يومي 25 و26 يوليو أعلنت القوات المسلحة استعادة مدينة بارا والمناطق المحيطة بها وتلا ذلك في 27 يوليو، إعلان السيطرة على الطريق الاستراتيجي الرابط بين الخرطوم والأبيض وهي خطوة محورية خففت الخناق العسكري واللوجستي عن عاصمة شمال كردفان، وفتحت شريان إمداد بالغ الأهمية.
واللافت أن المطالبات الغربية بتوسيع حظر السلاح سبقت هذه التطورات الميدانية بأيام ولذلك لا يصح ربطها بها بوصفها رد فعل مباشرا لكنها جاءت في لحظة فارقة أضحى فيها مصير الأبيض وكردفان وموازين السيطرة في وسط السودان من العناصر المؤثرة في مسار الحرب وفي قدرة الدولة على استعادة المبادرة.
إذا كانت مؤسسات الدولة تنجح في استعادة خطوط إمدادها وأراضيها، بينما تعوّل قوات التمرد على شبكات إمداد وتهريب عابرة للحدود، فمن سيكون المتضرر الأكبر من حظر شامل لا يترافق مع إغلاق حازم لمسارات التهريب ومحاسبة الجهات الخارجية التي تمد الجماعات المسلحة بالسلاح والمال والمرتزقة؟
إن حظرا يبدو متساويا في نصه قد يصبح بالغ الاختلال في أثره لأن الدولة تتعامل عبر مؤسسات وموانئ ومطارات وقنوات مصرفية يمكن رصدها وتقييدها بينما تتحرك الجماعات المسلحة عبر الحدود المفتوحة وشبكات التهريب والوسطاء وقنوات التمويل غير الرسمية.
تتجسد إحدى أبرز إشكالات الخطاب الدولي تجاه الأزمة السودانية في الميل المتزايد إلى مساواة القوات المسلحة السودانية بمليشيا الدعم السريع الإرهابية ووضعهما في كفة سياسية وقانونية واحدة تحت مظلة مصطلح (طرفي النزاع)
أن صفة الجيش الوطني لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة عن أي انتهاك يثبت ارتكابه بحق المدنيين. فالدولة مسؤولة، قانونيا وأخلاقيا عن حماية مواطنيها والتحقيق في أي تجاوزات تُنسب إلى أفراد قواتها، ومحاسبة كل من تثبت إدانته.
غير أن مبدأ المساءلة الشاملة لا يمحو الفارق الجوهري بين دولة ذات سيادة ومؤسسات وطنية معترف بها دولياً وبين جماعة مسلحة تمردت على الدولة وتسعى إلى فرض واقع سياسي وعسكري مواز بقوة السلاح.
وتؤكد الحكومة مسؤوليتها في حماية المدنيين، ودعم لجان التحقيق الوطنية والمستقلة للنظر في أي ادعاءات أو تجاوزات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها دون حصانة. وهذه مسؤولية ينبغي تعزيزها وترسيخها، لا استخدامها أساسا لخلق مساواة سياسية بين الدولة والجماعة المسلحة التي تحاربها.
كما أن حركة النزوح نفسها تقدم مؤشراً لا ينبغي تجاهله إذ فر مئات الآلاف من المواطنين من مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة بحثا عن الأمن والحماية. وهذا لا يعفي الدولة من واجباتها، لكنه يكشف في الوقت ذاته حقيقة مهمة تتصل بنظرة المواطن إلى مؤسسات دولته بوصفها المرجعية الطبيعية للحماية.
إن المطالبة بمحاسبة الدولة على أي تجاوزات تقع من أفراد قواتها أمر مشروع، أما تحويل هذا المبدأ إلى أداة لمحو الفارق بين الدولة والمليشيا، فهو أمر آخر تمامًا.
ان الشرعية السياسية والسيادية لا يمكن أن تكون متساوية بين الدولة ومن يحمل السلاح ضدها.
أعلنت مليشيا الدعم السريع الإرهابية وحلفاؤها في 2025 تشكيل سلطة وحكومة موازية في مناطق في خطوة تجاوزت طبيعة التمرد العسكري إلى محاولة بناء كيان سياسي وإداري مواز للدولة. وقد حذر مجلس الأمن نفسه في مارس 2025 من أن إقامة سلطة حكم موازية تنطوي على خطر تفتيت البلاد.
إذا كان المجتمع الدولي نفسه يقر بأن إنشاء سلطة موازية يهدد وحدة السودان فكيف يمكن، في الوقت ذاته التعامل مع مساعي الدولة لاستعادة سيادتها على أراضيها كما لو أنها خطر يوازي خطر قيام الكيان الموازي ذاته؟
إن احترام وحدة السودان لا يتحقق بتكرار العبارات الدبلوماسية حول احترام السيادة وسلامة الأراضي، وإنما يقتضي أن تتسق السياسات العملية مع تلك المبادئ. فإضعاف قدرة الدولة على استعادة أراضيها، مع بقاء قوات موازية مسلحة تسيطر على أجزاء من البلاد وتتلقى الإمداد من الخارج، قد يؤدي عمليا إلى تثبيت خطوط السيطرة العسكرية.
ويكمن الخطر الحقيقي أن تتحول سياسة تطرح باسم حماية المدنيين إلى أداة ولو من دون إعلان ذلك لتثبيت الظروف التي تسمح بانقسام السودان.
أي حديث جاد عن حظر السلاح في السودان يظل ناقصا إذا تجاهل السؤال الأساسي: من أين تحصل مليشيا الدعم السريع على السلاح والذخائر والمعدات التي مكنتها من مواصلة الحرب طوال هذه الفترة؟
فالقضية تجاوزت حدود الاتهامات الثنائية بين السودان وبعض القوى الإقليمية. وقد خلص تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة (S/2024/65) إلى موثوقية معلومات بشأن وصول شحنات من الأسلحة والذخائر إلى قوات الدعم السريع عبر مطار (أم جرس) في شرق تشاد.
كما وثقت منظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى جانب وكالة رويترز وغيرها من المؤسسات الإعلامية، مسارات لتدفق الأسلحة، وحركة مقاتلين ومرتزقة، وشبكات نقل وإمداد تخدم مليشيا الدعم السريع.
لكن تراكم التقارير والقرائن المستقلة يفرض سؤالًا لا يجوز القفز فوقه لماذا ينصب التركيز الدولي على فرض حظر جديد وشامل على مؤسسات الدولة الرسمية بينما لا تعطى الأولوية لإنفاذ الحظر القائم أصلًا وتتبع خطوط الإمداد والتمويل والتهريب العابرة للحدود وإغلاقها؟
إذا كان الهدف الحقيقي هو حماية المدنيين فإن البداية المنطقية ينبغي أن تكون بوقف السلاح الذي يصل بالفعل عبر القنوات غير المشروعة، لا بتوسيع دائرة الحظر من دون ضمان القدرة على إنفاذه.
فالحظر الذي لا يطبق على من يخرقه لا يصبح أداة للسلام، بل قد يتحول إلى عقوبة على من يسهل الوصول إليه.
ونواصل
*سفير السودان لدى ماليزيا




