رأي

السفير حسن عبدالسلام يكتب: السودان والغرب.. بين حظر السلاح وإطالة الحرب (2-2)

لا خلاف أخلاقياً أو قانونياً على قدسية حماية المدنيين وهي مسؤولية ينبغي أن يخضع لها الجميع دون استثناء.. لكن المشكلة تبدأ عندما يستخدم هذا المبدأ بصورة انتقائية فيصبح حاضراً عندما يتفق مع الأجندة السياسية والمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى ثم يفقد كثيراً من قوته عندما يكون مرتكبو الانتهاكات أو الجهات الداعمة لهم حلفاء أو شركاء ذوي أهمية اقتصادية أو جيوسياسية.
والتاريخ الحديث يقدم أمثلة لا يمكن تجاهلها ففي نيكاراغوا خلال ثمانينيات القرن الماضي، دعمت الولايات المتحدة قوات (الكونترا) المسلحة ضد الحكومة النيكاراغوية وقضت محكمة العدل الدولية لاحقاً بأن جوانب من الدعم الأمريكي مثّلت خرقاً لمبدأ عدم التدخل والتزامات القانون الدولي.
وفي ليبيا عام 2011 بدأ التدخل الدولي تحت عنوان حماية المدنيين لكنه تطور إلى عملية انتهت بتغيير النظام من دون وجود استراتيجية متماسكة لما بعد ذلك لتدخل البلاد والمنطقة في دوامة من تفكك المؤسسات وانتشار المليشيات والسلاح وعدم الاستقرار.
لا يعني ذلك أن السودان هو نيكاراغوا أو ليبيا أو أن الظروف متطابقة. فلكل حالة وضعها الخاص. لكن تلك التجارب تقدم درسا مهماً حين تنفصل شعارات حماية المدنيين عن احترام سيادة الدولة وعن حساب النتائج السياسية بعيدة المدى قد تنتهي السياسات المتخذة باسم الحماية إلى نتائج أشد ضرراً على المدنيين أنفسهم.
ومن هنا تأتي ضرورة تطبيق معيار واحد
ولا يمكن لخطاب حماية المدنيين أن يحتفظ بمصداقيته إذا كان يطبق على الخصوم بمعايير تختلف عن تلك التي تطبق على الحلفاء.
تقدم تجربة دارفور نفسها اختبارا عملي لفعالية سياسات الحظر. فمنذ صدور قرار مجلس الأمن 1556 عام 2004 ظل حظر السلاح قائماً في دارفور ثم تطور نظام العقوبات لاحقا بموجب القرار 1591.
وبعد أكثر من عقدين استمر تدفق السلاح إلى الإقليم وتواصلت النزاعات وشهدت دارفور مرة أخرى فظائع جسيمة بما في ذلك في الفاشر ومناطق أخرى بسبب المليشيا
وهذه الحصيلة تطرح سؤالًا إذا عجز المجتمع الدولي طوال عشرين عاماً عن الإنفاذ الكامل لحظر محدود جغرافيا في دارفور فكيف سيؤدي مجرد توسيع نطاقه ليشمل بلداً بحجم السودان إلى تحسين الوضع، ما لم تتغير آليات الإنفاذ نفسها؟
الخطر هو أن تتسع رقعة الحظر بينما تظل الثغرات التي أفشلته قائمة.
بل قد يصبح أثر الحظر أكثر اختلالاً فالدولة التي تعتمد على العقود الرسمية والنظام المصرفي والموانئ والمطارات المعروفة ستكون سهلة الرصد والحظر، بينما تكون الجماعات المسلحة التي تعتمد على المهربين والحدود المفتوحة وشبكات الذهب والوسطاء والقنوات السرية أكثر قدرة على تفادي القيود.
وبذلك يصبح الحظر متساوياً في النص لكنه غير متساوي في التطبيق والنتيجة. والأخطر أن إضعاف الدولة عسكرياً من دون تجفيف مصادر تسليح المليشيات المسلحة لا يحقق توازناً يقود بالضرورة إلى السلام بل قد يطيل الحرب ويمنح هذه الجماعات فرصة للحفاظ على مناطق نفوذها وسلطاتها الموازية.
وهنا تصبح العلاقة بين الحظر وخطر التقسيم علاقة ينبغي التفكير فيها بجدية
هل الحظر وسيلة لحماية المدنيين أم أداة للضغط السياسي؟ تلك هي المسألة التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش السوداني مع الولايات المتحدة والدول الغربية.
ليس من حق أحد الاعتراض على مطالبة السودان بحماية المدنيين أو الضغط من أجل التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها. لكن ثمة فارقاً كبيراً بين الضغط من أجل احترام القانون الدولي الإنساني وبين توظيف هذا المبدأ لفرض ترتيبات سياسية على الدولة السودانية أو تقييد قدرتها على استعادة سيادتها بينما تبقى مصادر قوة الطرف المتمرد خارج دائرة المعالجة الفعالة.
وإذا كانت الغاية من الحظر هي استخدامه ورقة ضغط لدفع الحكومة السودانية إلى قبول أجندة سياسية محددة أو ترتيبات لا تراعي بالضرورة رؤيتها لمستقبل الدولة ووحدتها، فإن ذلك يضعف الحجة الإنسانية التي يُسوَّق الحظر من خلالها.
فحماية المدنيين يجب أن تكون غاية قائمة بذاتها لا وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية.
كما أن أي تسوية مفروضة لا تعالج جذور الحرب ولا تنهي تعدد الجيوش، ولا تعيد احتكار الدولة الشرعي للسلاح ولا تمنع التدخل الخارجي قد تنجح في تجميد الحرب مؤقتاً لكنها لا تبني سلاماً مستداماً
بالتالي ينبغي أن يتحول مسار النقاش الدولي من السؤال كيف نحظر السلاح عن السودان؟ إلى السؤال المرتبط بجذور المشكلة كيف نوقف تدفق السلاح غير المشروع الذي يطيل الحرب، ويغذي الجماعات المسلحة، ويقوض مؤسسات الدولة، ويعرّض المدنيين للخطر؟.
وللسودان أن يطالب برقابة دولية صارمة على الحدود ومسارات الطيران وشبكات تجارة الذهب غير المشروعة وقنوات تمويل المرتزقة، وبآليات فعالة لتتبع حركة السلاح من مصدره حتى وصوله إلى المليشيا التي تستخدمه.
كما ينبغي دعم تحقيقات مستقلة وموثوقة في جميع الانتهاكات التي تقع بحق المدنيين من جانب المليشيا وتوجيه العقوبات إلى الدول والشركات والأفراد وشبكات النقل والتمويل التي تثبت التحقيقات تورطها في خرق الحظر أو إدامة الحرب.
وفي المقابل ينبغي رفض أي صيغة سياسية تساوي بين الدولة والمليشيا في الشرعية والسيادة أو تسعى إلى تثبيت وضع عسكري مؤقت وتحويله إلى ترتيب سياسي دائم.
والسودان ليس مضطرا للاختيار بين سيادته وبين المساءلة يمكنه أن يتمسك بكليهما أن يدافع عن وحدة أراضيه وفي الوقت نفسه يحاسب كل من يرتكب انتهاكاً داخل أجهزته وأن يرفض الجيوش الموازية وفي الوقت نفسه يلتزم بانتقال سياسي ينتهي إلى حكم يعبر عن إرادة الشعب السوداني.
إن التمسك بسيادة السودان ليس دعوة إلى تأجيج الحرب، كما أن المطالبة بحماية المدنيين لا ينبغي أن تتحول إلى معول لهدم الدولة. تكمن أزمة جزء من الخطاب الدولي الراهن في تصوير الأمر كما لو أن ثمة خياراً بين الحفاظ على مؤسسات الدولة وبين حماية المدنيين وكأن إضعاف الدولة شرط للسلام أو كأن استعادتها لسيادتها تتعارض بالضرورة مع حماية مواطنيها
والحقيقة هي العكس. فلا سلام مستدام من دون دولة قادرة على بسط القانون وحماية المواطنين ولا دولة شرعية من دون احترام القانون ومحاسبة من ينتهكه.
يحتاج السودان إلى دولة واحدة وجيش وطني واحد وسلطة سياسية واحدة تستمد شرعيتها في نهاية فترة انتقالية من إرادة الشعب السوداني عبر عملية سياسية وانتخابات حرة. ولا يحتاج إلى جيوش وحكومات ومراكز اقتصادية وجغرافية موازية تُجمد خطوط تماسها اليوم ثم تتحول غدا إلى حدود بين كيانين.
إن السلام الذي يراد له أن يجمد خطوط النار ليصنع منها حدودا بين سلطتين هو تقسيم مع إيقاف التنفيذ. السلام الحقيقي فهو الذي ينهي وجود الجيوش الموازية ويحفظ وحدة التراب السوداني ويعيد للدولة احتكارها المشروع للقوة ثم يعيد القرار السياسي إلى الشعب السوداني ليحدد عبر الحوار والانتقال الديمقراطي والانتخابات شكل الحكم ومستقبل البلاد.
إن رسالة السودان إلى الولايات المتحدة والدول الغربية والمجتمع الدولي ينبغي أن تكون واضحة وحاسمة إذا كنتم تريدون حقاً حماية المدنيين فأوقفوا أولًا مصادر السلاح والمال والمرتزقة التي تغذي الحرب. أغلقوا طرق الإمداد والتهريب العابرة للحدود، وحاسبوا كل دولة أو شركة أو شبكة يثبت تورطها في خرق الحظر. طالبوا السودان باحترام القانون الدولي الإنساني، وبحماية مواطنيه، وبمحاسبة كل من يتجاوز داخل مؤسساته فهذا حق وواجب. لكن لا تجعلوا من حماية المدنيين ذريعة لفرض أجندات سياسية أو لتجريد الدولة من حقها في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها.
فلا يمكن الحفاظ على وحدة السودان عبر سياسة تضعف الدولة وتترك الجيوش الموازية قائمة.
ولا يمكن حماية المدنيين بسياسة تسمح باستمرار تدفق السلاح إلى من يقاتلون خارج مؤسسات الدولة.

*سفير السودان لدي ماليزيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!