أسامه عبد الماجد يكتب: القصر الغالي.. الجنرال المتفاني

0 كان أمس يوماً استثنائياً حين عاد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى مباشرة مهامه من القصر الجمهوري في الخرطوم.. بعد أن استعاد القصر عافيته وتزين في أبهى صورة وكأنه عريس يستعد ليوم زفافه.. تجاوز المشهد حدود العودة إلى مبنى عريق فقد كان استعادة لرمز من رموز الدولة السودانية.. لذلك استقبل السودانيون هذه اللحظة بفرحة غامرة وشعور عميق بالفخر.. لأنها حملت رسالة الى بريد الجنجويد وذراعهم السياسي في قحت وواجهاتها والعملاء و”الكفلاء”.
0 رسالة أن السودان قادر على النهوض من بين الركام.. ومؤسساته قادرة على استعادة عافيتها ودورها وهيبتها.. ولذلك كان لدخول موكب الرئيس عبر البوابة الشمالية الشرقية للقصر قبالة شارع النيل.. وقع خاص في النفس فهي البوابة التي ارتبطت في الذاكرة بأحداث مؤلمة يوم اشعال الحرب.. عندما دخل منها الباغي الشقي حميدتي في صبيحة منتصف ابريل 2023 عقب اشعاله الحريق.. واليوم بعد كل ما مرت به البلاد عادت الحياة إلى المكان والعاصمة وعاد القصر شامخاً كما يليق بالسودانيين وجيشهم وقائده.
0 لكن خلف هذا الحدث الوطني الكبير ومع كل ما يحيط به من فرح وأمل.. يجب ألا ننسى الرجال الذين ساهموا في الوصول إليه.. وعملوا في صمت بعيداً عن الأضواء ويأتي في مقدمتهم الأمين العام السابق لمجلس السيادة الفريق ركن د. محمد الغالي الذي يستحق تحية خاصة وكلمة وفاء صادقة.. فبعد تحرير القصر الجمهوري بادر إلى زيارته والوقوف على حاله.. ثم شكل لجنة مختصة قادها باقتدار عملت على إعادة تأهيله وترتيبه وإعادته إلى الصورة التي تليق بمقام الوطن والرئاسة وتاريخ هذا الصرح العريق.
0 ما قام به الغالي لم يتوقف عند ترميم الجدران أو ترتيب المكاتب والقاعات.. فقد حمل مهمة أعمق تتمثل في إعادة الحياة إلى رمز من رموز الدولة.. واستعادة هيبة مؤسسة ظلت عبر تاريخ السودان عنواناً للحكم والسيادة.. ولا يستحق الرجل الإشادة بسبب هذا الدور وحده وإنما كذلك لما قدمه خلال واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها الدولة السودانية.
0 عندما انتقلت مؤسسات الدولة إلى بورتسودان كان الغالي واحداً من الرجال القلائل الذين وقفوا في الصفوف الأمامية.. للمحافظة على انتظام العمل الرئاسي وترتيب الملفات وتسيير شؤون الدولة في ظروف بالغة التعقيد.. وتحمل مسؤوليات كبيرة وكان حاضراً إلى جانب نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار في مرحلة دقيقة.. بينما كان قائد الجيش البرهان ونائبه شمس الدين كباشي وكبار القادة يواجهون ظروفاً استثنائية داخل القيادة العامة بالخرطوم.
0 من مواقفه القوية التي تستحق أن يتم توضيحها اليوم بعيداً عن الحملات السياسية والصحفية.. ان الجنرال تأذّى كثيراً من حملة مسعورة لم تهدأ منذ سنوات ارتبطت بترديده عبارة (أي كوز ندوسو دوس) خلال مخاطبته ملتقى جامعة الخرطوم.. واعتقد جرى الترويج لهذه العبارة من القحاتة بصورة انتقائية وخبيثة حتى اختزل بها حديثه وموقفه بالكامل.. وللأسف ابتلع كثير من الإسلاميين هذا الطعم.. ووجهوا سهامهم منذ ذلك الحين إليه دون العودة إلى كل حديثه وما سبق العبارة من موقف شجاع.
0 ولو عاد أي عاقل إلى حديث الجنرال كاملاً وتحديداً إلى كلماته التي سبقت تلك العبارة مباشرة.. لربما صفق له كثير ممن هاجموه وامتدحوا موقفه الوطني والجرئ.. فقد كان ذلك في مطلع يوليو 2020 أي بعد أقل من عام على تشكيل حكومة الشراكة بين العسكريين والقحاتة.. وفي وقت لم يكن كثيرون يجرؤون فيه على الحديث بالصراحة التي تحدث بها.. وقد نوه لدى مخاطبته الورشة المعنية بالإصلاح وبحسم إلى أنه في إحدى محاور الملتقى محور خاص بإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية.
0 وذكًّر الغالي الحضور بان الوثيقة الدستورية المادة (8) الفقرة (12) نصت على أن هذا الأمر شأن يتعلق بالمؤسسات العسكرية.. وقال للجمع القحاتي : (أرجو أن يترك هذا الأمر لمناقشته لأصحاب الشأن).. ثم ختم حديثه بالتأكيد على استعدادهم للإصلاح وبعدها وردت عبارة “الدوس”.. ان أساس موقف الغالي الذي ينبغي التوقف عنده وإنصافه.. ان إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية أمر لا يجوز أن يتحول إلى ساحة للمزايدات السياسية ولا يخضع لمعادلات التهريج السياسي وإنما ينبغي أن يكون لأهل الاختصاص وبما يحفظ مهنية المؤسسة العسكرية واستقلالها ووحدتها.
0 ولو ان القيادات العسكرية وقتها تعاملت بجدية مع ضرورة احترام اختصاص المؤسسات العسكرية والأمنية.. ونبهوا مبكراً إلى أن إصلاحها شأن يخص أهلها كما فعل الغالي.. لما كان من السهل لاحقاً المضي في الطريق الذي قاد إلى الاتفاق الإطاري وورش إصلاح الجيش التي جرى فيها التعامل مع المؤسسة العسكرية بطريقة مستفزة ومهينة.
0 من الإنصاف القول إن الجنرال كان قد أدرك مبكراً خطورة المساس بتماسك المؤسسات العسكرية والأمنية.. ودفع ثمن موقفه الوطني من خلال جملة واحدة جرى اجتزاؤها.. ولا ننسى ان تلك الاوقات السياسية المتوترة كانت الكلمة لامثال سلك ومنقة ومناع وشاشات وسفارات.. لقد تعرض الرجل لحملة قاسية لسنوات وتحمل الكثير من الهجوم والتأويل.. لكنه واصل أداء واجبه ولم يلتفت للسخف السياسي.
0 غادر الغالي منصبه بعد سنوات من العطاء وأقل ما يمكن أن يقال له شكراً.. شكراً لأنك كنت حاضراً في وقت كانت الدولة في أمس الحاجة إلى من يحمل المسؤولية.. وشكراً على ما قدمته وأنت إلى جوار الرئيس وفياً للعهد.. شكراً على مساهمتك في المحافظة على انتظام العمل الرئاسي خلال واحدة من أصعب المراحل.. وشكراً لأنك تركت خلفك عملاً يتحدث عنك أكثر مما تستطيع الكلمات أن تفعل وتستحق التكريم.. كل التحية لك ولكل من ساهم في إعادة القصر الجمهوري في صورة أجمل وأبهى.. ولخلف الغالي الفريق محمد صالح عبود الذي واصل المهمة بكل همة.. وكل التحية لكل يد سودانية تعمل من أجل أن تستعيد مؤسسات الدولة عافيتها وقوتها وهيبتها.
0 ومهما يكن من أمر.. الوفاء للرجال الذين عملوا خاصة في ظل الحرب جزء من الوفاء للوطن.
الجمعة 14 أغسطس 2026
osaamaaa440@gmail.com




