محمد كبوشية يكتب: لجنة الأزمة الآن يا برهان

في المقال السابق دعونا إلى ما أطلقنا عليه (مجلس حرب) لمعركة التعافي الاقتصادي ، واليوم نضع المقصود باسمه الواضح ، نحتاج إلى لجنة اقتصادية لإدارة الأزمة وبأعجل ما يمكن ، لجنة تستدعي المعرفة وتضع خارطة طريق وتربط كل إجراء بمسؤول وموعد ونتيجة قابلة للقياس ، فالبلاد لا تحتمل انتظاراً جديداً ولا اجتماعات تنتهي بوعود بينما تتسع المسافة بين دخل المواطن وكلفة حياته.
ولا نريد لهذه اللجنة أن تصبح نسخة أخرى من اللجان الحكومية ، المطلوب أن يكون دور الحكومة في تنظيم عملها التنسيق وتوفير السكرتارية والبيانات وتيسير التواصل ، أما قيادة النقاش الفني وصياغة الحلول فتكون للخبراء السودانيين المستقلين في الداخل والخارج. وتظل مسؤولية إصدار القرارات وتنفيذها ومحاسبة المقصرين على عاتق المؤسسات المختصة وفق صلاحياتها القانونية.
لتعلن الدولة بكل الوسائل إعلاناً واضحاً السودان يحتاج إلى خبرائه المتطوعين الآن ، إلى السودانيين العاملين بالمنظمات العالمية والبنوك الأجنبية وأساتذة الاقتصاد والمختصين في التمويل والتعدين والطاقة والصناعة والزراعة ، هؤلاء رصيد وطني ينبغي استدعاؤه إلى لقاء إسفيري عاجل يعمل على كتابة خارطة طريق للخروج من الأزمة. فالمسافة لا تمنع المشاركة والتكنولوجيا تتيح جمع العقول دون انتظار سفر أو قاعات أو ميزانيات ضيافة.
لكن التطوع لا يعني عملاً بلا تنظيم, ينبغي تحديد فرق متخصصة ومهلة قصيرة لتقديم المقترحات , كل مقترح يبين المشكلة والكلفة ومصدر التمويل والجهة المنفذة والمدة ومؤشر النجاح ومن ثم تراجع الخطة مع الجهاز التنفيذي للتحقق من إمكان تنفيذها واستيفاء متطلباتها القانونية وتصدر قرارات اعتمادها لتصبح نافذة. لا نريد تقارير تستقر في الأدراج ولا وصاية بيروقراطية تفرغ توصيات الخبراء من مضمونها.
وفي مقدمة الإجراءات العاجلة يأتي الذهب … لماذا لا يصدر بنك السودان سياسة تمكنه من شراء إنتاج المعدنين الأهليين عبر شبكة مباشرة وشفافة؟ المقترح أن يستهدف البنك استيعاب كامل الإنتاج المشروع المعروض للبيع بسعر مرتبط بالبورصات العالمية بعد احتساب النقاء والتكاليف المعلنة , ويُدرس تحويل قيمته إلى الجنيه بسعر صرف يوم الشراء مع حافز محسوب يجعل البيع للقنوات الرسمية أجدى من التهريب.
هذا الحافز يحتاج إلى حساب دقيق. فلا يجوز أن يتحول شراء الذهب إلى إصدار نقدي مفتوح يرفع التضخم أو إلى مزايدة يومية تزيد اضطراب الدولار , المطلوب أن يوضح البنك مصادر السيولة وسقوف الشراء وآلية ضبط أثرها النقدي , نجاح السياسة يقاس بحجم الذهب الذي يدخل القنوات الرسمية وبالموارد الخارجية التي يوفرها وبأثره على استقرار الاقتصاد.
أما التنفيذ فيمكن أن يبدأ بمكاتب شراء صغيرة في أسواق التعدين وفق نموذج(Cash Office )موظفان أو ثلاثة بحسب حجم السوق مع تجهيزات للفحص والوزن والتوثيق ويؤسس ( Gold Purchasing Office )ويكون الدفع عبر التطبيقات المصرفية المعتمدة مع ربط المكاتب مركزياً لمتابعة كل عملية في وقتها، ويجب توفير ترتيبات لانقطاع الشبكات وحماية الأموال والتحقق من مصدر الذهب ومنع الاحتيال حتى لا تنتقل المشكلة من السوق إلى النافذة الرسمية.
بعد تجميع الذهب وفحصه وتنقيته يمكن دراسة إيداعه لدى مؤسسات مالية دولية مؤهلة والتفاوض على خطوط تمويل بضمانه ، هذه فرصة تستحق الفحص وليست تمويلاً مضموناً بمجرد نقل الذهب. فهي تحتاج إلى اتفاقات واضحة بشأن الحفظ والتقييم ونسبة التمويل والكلفة والسداد وشروط التنفيذ على الضمان. والمطلوب حماية أصل البلاد والتأكد من القدرة على الوفاء قبل ترتيب أي التزام.
وتخصص هذه الخطوط لثلاث أولويات تمس حياة الناس مباشرة. البترول والقمح والدواء ، تمويل معلوم ومشتريات شفافة ورقابة على وصول السلع وتكلفتها. فلا معنى للحصول على موارد جديدة ثم تسرب فائدتها عبر احتكار أو سوء توزيع أو رسوم متراكمة. المواطن ينبغي أن يرى أثر التمويل في توفر الوقود والخبز والعلاج وفي استقرار تكلفتها.
وبالتوازي نحتاج إلى ضمانات مدروسة لتمويل إعادة تأهيل وتشغيل مصفاة الجيلي بعد تقييم حالتها الفنية ومتطلبات إعادتها للإنتاج ، ويمكن بحث شراكة بنظام التأهيل والتشغيل ثم نقل المسؤولية للدولة وفق صيغة مناسبة من عقود البوت ، لكن الضمانات ليست شيكات مفتوحة ، ينبغي ربطها بدراسة جدوى وعقد معلن والتزامات إنتاج وصيانة ومواعيد محددة ومحاسبة واضحة.
وينطبق الأمر على مصانع السكر والدواء. المطلوب تحديد المصانع القابلة للعودة سريعاً وتوفير الطاقة والمدخلات والتمويل لها. كل إنتاج محلي مجدٍ يعوض جزءاً من الواردات ويحفظ فرص العمل ، هكذا نقلل فاتورة الاستيراد تدريجياً دون قطع الإمدادات قبل توفر البديل. فالهدف أن يتحول التمويل من علاج متكرر للنقص إلى جسر يعيد للاقتصاد قدرته على الإنتاج.
وعلى مجلس السيادة أن يمنح هذه المبادرة الإسناد اللازم لتبدأ فوراً دون أن يتدخل في استقلال الرأي الفني. وعلى الحكومة أن توفر البيانات وتنفذ القرارات المعتمدة وتنشر نتائجها. أما الخبراء فعليهم تقديم حلول واقعية تراعي ظروف الحرب وتبدأ بما يمكن إنجازه ، نحن بحاجة إلى معرفة تتحول إلى فعل وإلى فعل يستطيع الناس قياسه.
آخر الدعاش
سيدي الرئيس القائد البرهان
دعوتنا إلى لجنة اقتصادية لإدارة الأزمة هي دعوة إلى إنقاذ جبهة المعيشة بعقول السودان وخبراته. أعلنوا الحاجة إليهم اليوم وافتحوا لهم باب المشاركة وحددوا موعداً لأول خارطة طريق.
لدينا ذهب وخبرات ومصانع يمكن إعادتها للحياة ، لكن الموارد لا تنقذ وطناً بلا إدارة أمينة وقرار محسوب ومتابعة مستمرة.
افعلها الآن يا برهان. فالناس لا يعيشون على الوعود ولا ينتظر الخبز والدواء اكتمال الاجتماعات ، وأهل السودان الذين صبروا على جبهة الحرب يستحقون أن يروا عملاً جاداً يحمي حياتهم ويعيد إليهم الأمل..!!




