الهندي عز الدين يكتب: العودة إلى الخرطوم

لما قرأت مقال الزميل الأستاذ محمد عبدالقادر حول عدم صلاحية وأهلية الخرطوم للعيش بعد ما نالها من تخريب الجنجويد ، تذكرتُ سنواتٍ كنا نقيم فيها بمنطقة قرى مشروع الجموعية الزراعي جنوب أم درمان ، صحبة والدي مدير المشروع – رحمه الله وغفر له – في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
كنا نعيش في بيت الحكومة المطلي باللون الأصفر الكائن في فضاء واسع بين قريتي الشقيلة وبركة الشاطىء. البيت الكبير مكون من ثلاث غرف وهول وحوشين وحمامين.
المياه الجوفية تأتي من (الدونكي) عبر المواسير ، وقد يعمل يومين ويتعطل أيام بسبب عدم وجود جازولين لتشغيله.
عندما تنقطع المياه ، نستخدم مياه الترعة بطحالبها الخضراء ، وما زلتُ أذكر والدتي وهي تضع قطعة قماش بيضاء على الجردل لتنقية ماء الترعة مع أن النيل الأبيض ليس بعيداً ولا توجد محطات مياه على النيل منذ عقود وحتى الآن !! إنه عجز الحكومات المتتالية في بلادنا المأزومة .
طبعاً .. لم تكن هناك كهرباء .. وكنا نستخدم لمبات الجاز للإنارة والمذاكرة وسط أسراب البعوض المتوحشة.
كنا نُصاب بالملاريا كما يُصاب الناس اليوم بالصداع ، ولم تكن تفارق أجسادنا النحيلة التي أنهكتها الحمى وحقن الكلوروكوين.
وحين تصفو لنا الحياة نشاهد التلفزيون أبيضاً وأسود ، نهاية الأسبوع باستخدام بطارية العربة اللاندروفر الحكومية ، وهذا كان أقصى درجات استغلال والدي لممتلكات الدولة.
ولأن المنزل ريفي ، فمن المعتاد أن تجد العقارب تجري أسفل قدميك ، أو يسقط ثعبان (دابي) من الحائط قريباً منك.
ولأن الرغيف البلدي ليس متاحاً كل يوم ، فإن وجبة الغداء قد تكون فتة القرقوش مع العدس الساخن.
ورغم ذلك كنت وأخواتي مميزين جداً بالنسبة لاقراننا أبناء المزارعين ، فنحن (أولاد المفتش أو المدير) !! وحين نرجع لأم درمان المدينة كل أسبوعين لم يكن الحال وردياً ، إذ تنتظرنا صفوف الخبز في مخابز بيت المال وودأرو وتنقطع الكهرباء لساعات طويلة ونمشي كداري لمسافات بعيدة لعدم وجود مواصلات.
لن يكون الوضع في الخرطوم أسوأ مما كان يا أخي محمد ، ورغم ذلك كنا نغني وقتها (أبوكم مين ؟ ونجاوب : نميري) ثم أسقطنا نميري و غنينا لثورتنا في أبريل 1985 ، واستمرت صفوف الخبز والبنزين وقطوعات الكهرباء وانعدام المواصلات في زمن الثورة والديمقراطية الثالثة.
ولذلك فإنني أقول للذين يرددون ببلاهة أن الكيزان دمروا السودان : إما أنكم لم تعيشوا في السودان قبل عهد الكيزان ، أو أنكم مكابرون جاحدون لا تحمدون الله على نعمه ، من أمن مستدام ورفاهية ورغيفة بجنيه فأنزل الله عليكم غضبه ، فحل الغلاء والبلاء والحرب وصرنا جميعاً بنكرانكم لاجئين.



