رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: صفقة النحاس !!

 

0 بنظرة سريعة إلى أداء الحكومة وأفعالها.. أصبح الفشل سمة ملازمة لأدائها بينما تتفوق في تقديم المبررات أكثر من تقديم الحلول.. ومع مرور الوقت فقدت ثقة شريحة واسعة من المواطنين.. في ظل إدارة مرتبكة ونتائج مخيبة للآمال وأداء جاء دون مستوى التوقعات.. وأثار تكرار مغادرة رئيس الوزراء كامل إدريس للبلاد دون إعلان رسمي في زيارات يقال إنها إلى أسرته في جنيف أو لندن كثيراً من التعليقات الساخرة.. حتى إنه اضطر إلى الاستعانة بأحد الصحفيين بدلاً من (سونا) لنقل تصريحات اقتصادية عنه بهدف نفي شائعات استقالته أو إقالته.. وهو أمر لم يعد يهم كثيرين بقدر ما يهمهم تحسن الأداء ومعالجة الأزمات الخانقة التي تواجه البلاد.
0 لكن اللافت بل والمريب هو مغادرة وفد حكومي كبير إلى الصين برئاسة وزير المعادن نور الدائم طه وضم دير ارياب ومستشارين لوزير المعادن ولمدير هيئة الأبحاث الجيولوجية ولوزير المالية وجهاز المخابرات وانضم اليهم سفير السودان لدى الصين لإبرام اتفاق أثار جدلًا واسعاً خلال الفترة الماضية.. في وقت التزمت فيه الحكومة الصمت ولم تصدر أي توضيح وكأن الأمر لا يعنيها.
0 مع ان المعلومات الأولية تبدو في صالح الحكومة إذ تمتلك شركة أرياب للتعدين مربعاً للنحاس في شرق السودان.. وتتمتع ارياب بخصوصية وهى شراكة بين وزارة المالية الاتحادية وشركة أعمال التعدين المتقدمة التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية وبنك التنمية الصناعية.. ويترأس مجلس الادارة وزير المعادن.. وكانت قد اكتشفت الشركة الفرنسية – الشريك السابق في أرياب – منجم النحاس خلال أعمالها الاستكشافية.. غير أن الشركة فضلت آنذاك التركيز على الاستثمار في الذهب والدخول في شراكة مع الحكومة.. تاركة مشروع النحاس دون تطوير.. وفي السنوات اللاحقة واصلت أرياب الدراسات الفنية والجيولوجية الخاصة بالمنجم قبل أن تطرحه لاحقاً للاستثمار وهو ما يمنحها سنداً فنياً وقانونياً في أي اتفاق يتعلق بهذا المشروع.
0 إذا كانت هذه هي حقيقة الأمر وفقاً لمصادري في وزارة المعادن.. فما الذي يدفع ارياب إلى إدارة هذا الملف في الظلام بعيداً عن أعين الإعلام والرأي العام؟.. ولماذا تترك المجال واسعاً للتأويلات والشائعات والأكاذيب.. بل وحتى للابتزاز من بعض المجتمعات المحلية أو الجهات التي تستغل غياب المعلومات؟.. ماذا كان شركاء ارياب سيخسروا لو خرجوا ببيان رسمي ومقتضب وضحوا فيه أن الزيارة تأتي في إطار التفاوض أو توقيع عقد استثماري في مجال النحاس مع شركة صينية؟.. فالشفافية في مثل هذه الملفات لا تضر وانما تزرع الثقة وتقطع الطريق أمام الإشاعات والتفسيرات المغلوطة وذات الغرض.
0 الاستثمار في قطاع التعدين ليس أمراً استثنائياً أو سرياً.. فهناك شركات خاصة تمتلك مربعات تعدين وقد نجحت في استقطاب مستثمرين وضخ استثمارات بعشرات الملايين من الدولارات.. دون أن يحيط ذلك القدر نفسه من الغموض لذلك فإن الوضوح والإفصاح في مثل هذه القضايا يحمي الحكومة وكذلك يحمي المستثمر أيضاً.. ويخلق بيئة أكثر استقراراً وثقة لدى المواطنين والرأي العام.
0 هل يعقل ألا يعلم أحد على وجه الدقة ما الذي يفعله وفد الحكومة في الصين؟.. فحتى الآن لا تزال المعلومات شحيحة ولم يخرج إلى العلن سوى القليل كان أبرزها ما ورد على لسان مدير شركة أرياب نصر الدين الحسين.. بعد أن استفزته كتابات اتهمته بوجود صلات مشبوهة مع الإمارات.. وأنه غادر بكين إلى أبوظبي غاضباً ورافضاً التوقيع.. إلى جانب معلومات أخرى ظلت بلا أدلة أو توثيق.. هذه الاتهامات دفعت مدير أرياب إلى إصدار بيان لتبرئة ساحته وتوضيح موقفه.
0 وفي معرض نفيه لتلك المعلومات أكد أن الحكومة وقعت اتفاقاً.. كما كشف عن أن عدداً من الشركات من بينها شركة صينية تقدمت بعروض للاستثمار في مشروع النحاس.. إلى جانب مشروعات أخرى تتبع للشركة.. لكن بكل تأكيد فانه استراتيجياً الأفضل التوقيع مع شركة صينية.. لان الشركات الاخري مثل ناكسير وهى شراكة بين اطلس الامريكية و (بي جي ال) التركية ومقرها ابوظبي او مثل شركة قطرية استرالية اشترطوا الحصول علي نسبة في ارياب.. بجانب مربع النحاس ولذلك رفضت اللجان الفنية تلك العروض.. ويقال ان خلاف نصر الدين مع الحكومة هو ميله الى الشركة الأمريكية التركية.
0 وبحسب معلومات من مصادر خاصة فإن الحكومة إذا توصلت إلى اتفاق نهائي قد تحصل على مبلغ لا يقل عن نصف مليار دولار يدفع مقدماً عند توقيع العقد وستحصل على ضمانات.. ومع ذلك يبقى من المهم انتظار إعلان رسمي يوضح تفاصيل الاتفاق وقيمته وشروطه حتى تكون الصورة كاملة وواضحة للرأي العام.. سيما وان وزير المعادن نور الدائم طه يتوقع وصوله البلاد غداً الأربعاء.
0 لكن ما الذي كان يمنع الحكومة من إطلاع الرأي العام السوداني على هذه المعلومات منذ البداية ؟.. فلو كانت الصفقة تسير وفق إجراءات سليمة وواضحة لما كان هناك ما يستدعي حجب تفاصيلها.. غير أن إصرار الحكومة على المضي فيها بعيداً عن أعين الصحافة.. وفي أجواء يسودها الغموض يزيد الشكوك حول وجود شبهات فساد.. أو ترتيبات لا ترغب في كشفها للرأي العام مثل “العمولات”.
0 ولولا الاتهامات التي وجهت إلى مدير أرياب بشأن وجود علاقة مشبوهة تربطه بالإمارات والادعاء بأنه يعمل لصالح شركة تتخذ من الإمارات مقراً لها.. والتي وضعته تحت ضغط كبير.. لما اضطر إلى الخروج إلى العلن والدفاع عن نفسه.. ومع أنني أعتقد أن توقيت هذه الاتهامات يرتبط بصراع المصالح.. فإن كشف مدير أرياب لبعض تفاصيل صفقة النحاس التي ظلت بعيدة عن التداول العام لم يكن كافياً.. فما خرج إلى العلن حتى الآن لا يجيب عن جميع الأسئلة المطروحة ولا يبدد الشبهات.. والمطلوب الإفصاح عن كامل تفاصيل الصفقة.
0 ليست المشكلة في أن تفاوض الحكومة أو تبرم اتفاقيات استثمارية.. فهذا يدخل ضمن صميم صلاحياتها ومسؤولياتها.. وإنما تكمن المشكلة في الأسلوب الذي تدار به هذه الملفات حين يحيط بها الصمت والغموض وتغيب عنها الشفافية.. فالحكومة التي تطالب المواطنين بالثقة عليها أولاً أن تملكهم الحقائق وتوفر لهم المعلومات الكافية.. أما إدارة القضايا المصيرية خلف الأبواب المغلقة ثم مطالبة الناس بتصديق الرواية الرسمية بعد انتشار الشائعات والتكهنات.. فهو أسلوب يجرد الحكومة من ملابسها ولا يحمي الاستثمارات ويضعف الثقة ويسهم في تقويض مصداقية الحكومة نفسها.. إن التعامل مع المعلومات وكأنها أسرار لا يجوز الاطلاع عليها يخلق فجوة بين الحكومة والشعب.. وإذا كانت الحكومة واثقة من سلامة إجراءاتها ونزاهة قراراتها فإن الإفصاح والوضوح يجب أن يكونا مصدر قوة لا مدعاة للقلق.. حتى لا يترك فراغ المعلومات ليملأه الآخرون بالتفسيرات والشائعات؟.
0 ومهما يكن من أمر.. إن أكبر خصوم الحكومة صمتها الذي يثير الشك وليس المعارضة ولا الشائعات.

الثلاثاء 30 يونيو 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!