الاخبار

أسامه عبد الماجد يكتب: تأشيرة البرهان

 

0 عدم مشاركة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.. حيث كان من المفترض أن يلقي كلمته غداً عند السادسة مساءً بتوقيت السودان.. بسبب عدم منحه التأشيرة الأميركية أو تعمد تأخير صدورها – سيان – أثار كثيراً من الجدل في غير محله.
فالخطوة في حد ذاتها ليست جديدة على السياسة الأميركية.. إذ سبق لواشنطن أن استخدمت ورقة التأشيرات والزيارات الرسمية في تعاملها مع شخصيات وقيادات سياسية من دول مختلفة.. من بينها الرئيس السابق عمر البشير والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
0 بل إن واشنطن ألغت العام الماضي تأشيرة الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو.. وهو موجود داخل الأراضي الأميركية عقب مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة.. بحجة مشاركته لاحقاً في وقفة احتجاجية بنيويورك حث خلالها جنوداً أميركيين على عصيان الأوامر.. لكن السبب – في تقديري – يعود إلى خطابه الناري الذي ألقاه أمام قادة العالم المشاركين.. حيث ندد فيه بإدارة ترمب ودعا إلى تحقيق جنائي في الضربات الأميركية على قوارب يشتبه بأنها تنقل المخدرات في الكاريبي.. كما مارست إدارة الرئيس دونالد ترمب ذات الصلف والغرور حتى تجاه الرياضيين.. كما حدث مع الحكم الصومالي عمر أرتان إبان مونديال كأس العالم الأخير.. الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة رغم وصوله إليها وبحوزته تأشيرة.
0 إن التعامل الأميركي بهذه الطريقة التي لا تخلو من صلف واستفزاز ليس أمراً مفاجئاً.. بل هو جزء من أدوات السياسة الخارجية الأميركية.. التي كثيراً ما تستخدم التأشيرات والزيارات والضغوط الدبلوماسية في إدارة علاقاتها مع دول العالم.. ومن هنا فإن الربط بين عدم حضور البرهان اجتماعات الأمم المتحدة.. وبين وجود شرط أميركي يتعلق بهدنة في السودان يحتاج إلى دليل واضح.. لا يكفي أن تتزامن الأحداث حتى نعتبر أن أحدها سبب للآخر.
0 إن المنطق يقول إن واشنطن إذا كانت قد جعلت الهدنة شرطاً للسماح بالزيارة.. فإنها قد تضع شروطاً أخرى في المستقبل.. بالتالي فان القضية لن تكون مرتبطة بتأشيرة واحدة.. وإنما بطريقة إدارة العلاقة بين الخرطوم وواشنطن.. بصراحة كان على الحكومة السودانية أن تتوقع مثل هذه الخطوات.. خصوصاً في ظل التوتر السياسي الكبير بين البلدين والانكياز الامريكي السافر للمليشيا المتمردة المتوحشة رغم جهود الفريق أول أمن أحمد مفضل واركان سلمه.. وتعقيدات الحرب والعلاقات الإقليمية والدولية.. فضلاً عن انه لا جديد من المشاركة وقد سبق للبرهان ان خاطب الجمعية العامة للامم المتحدة لدورتين متتاليتين خلال الحرب كانت الاولى بعد مغادرته القيادة العامة بفترة قصيرة في 2023 وطالب وقتها بتصنيف المليشيا المتمردة منظمة ارهابية ولم يسمع له أحد فالخارج لم ولن يفيدنا.
0 على القيادة ان تدرك ان السياسة الدولية لا تقوم على المجاملة أو حسن النوايا.. الدول تتحرك وفق مصالحها وتستخدم ما تملكه من أدوات للضغط والتفاوض.. ومن ثم فإن السودان يحتاج إلى سياسة خارجية أكثر استعداداً للتعامل مع مثل هذه الضغوط وألا يضع نفسه في موقف يجعله ينتظر رضى هذه أمريكا أو غيرها.. الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه هو أن على الرئيس البرهان أن يواصل الانحياز إلى الشعب السوداني.. وأن يجعل مصلحة البلاد والسودانيين هي الأساس في قراراته.
0 هذا لا يعني رفض الحوار مع الولايات المتحدة أو مع غيرها.. الحوار مطلوب حتى مع الإمارات والعلاقات الدولية مهمة لكن الحوار شئ والرضوخ للضغوط والابتزاز أمر آخر.. السودان يحتاج إلى علاقات متوازنة مع الجميع لا إلى الارتهان والانبطاح لطرف واحد.. كما أن التجارب السابقة تقول إن الاعتماد على الوعود الخارجية وحدها ليست سياسة آمنة.. كثيراً ما ارهقت السودان وادخلت قادته السياسيين والعسكريين في ورطة واضطرتهم لتسديد فواتير باهظة التكلفة.. ما يتغير في واشنطن قد يتغير معه الموقف الأميركي من السودان.. ولذلك يجب أن تكون الأولوية دائماً لبناء موقف سوداني قوي ومستقل والعالم لا يحترم الا القوي.
0 ان الاقتصاد إلى جانب الملفين السياسي والعسكري مهم للغاية ويشكل تحسينه رصيداً شعبياً للبرهان وهو بمثابة تاشيرة دخول لقلوب السودانيين ويقوي كذلك من الموقف العسكري وسير العمليات الحربية على الأرض .. المطلوب معالجة حقيقية للمشكلات الاقتصادية وتحسين معاش المواطنين.. وتفعيل مؤسسات الدولة وتشجيع الإنتاج..وإعادة بناء القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية.. لأنه كلما كان الاقتصاد أقوى كانت قدرة الحكومة على اتخاذ قراراتها المستقلة أكبر.
0 من الدروس التي ينبغي مراجعتها أيضاً تجربة اختيار رئيس الوزراء.. لقد اثبتت تجربة تعيين كامل إدريس عدم جدوى اختيار شخصية تأتي من خارج المشهد السياسي والاجتماعي السوداني، ولا تمتلك ارتباطاً سياسياً وشعبياً قوياً بالداخل.. وتأكد بما لا يدع مجالاً للشك فشل (التجربة الحمدوكية).
0 ان المشكلة في الفكرة نفسها وليس في شخص كامل إدريس.. السودان لا يحتاج في هذه المرحلة الدقيقة إلى نموذج يعتمد على شخصية قادمة من الخارج.. ولكن الى رئيس وزراء يمتلك معرفة عميقة بالواقع السوداني.. وعلاقات واسعة مع المجتمع والقوى السياسية وقدرة على التعامل مع الملفات الداخلية المعقدة.. والى شخص “يحس بوجع الشعب ويجوع معاهم” كما قال الرئيس البرهان.
0 الرسالة الأهم للسودان بشأن تأشيرة نيويورك هى عدم الدخول في خصومة مع واشنطن أو غيرها.. وبناء سياسة خارجية تقوم على الندية قدر الإمكان وتنويع الشراكات.. وتوسيع هامش الحركة والاستعداد لمختلف أدوات الضغط التي قد تستخدمها الدول لتحقيق مصالحها.. أن العلاقات الدولية تقوم على المصالح وعلى الحكومة أن تعرف مصالحها جيداً وأن تستعد للضغوط قبل حدوثها.
0 لا ينبغي للسودان أن يأمن لأي دولة بشكل مطلق لا أميركا ولا “الجن الأحمر”.. وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن يحول ذلك دون إقامة علاقات طبيعية ومتوازنة مع الجميع.. نريد سودان قوي من الداخل واقتصاد متماسك.. وقرار سياسي مستقل وحكومة تستمد شرعيتها من خدمة الشعب ومصالحه.. وإذا كان هناك درس واحد من هذه الأزمة فهو أن السودان يحتاج إلى أن يضع مصلحة الشعب أولاً.. وأن يتعامل مع الخارج من موقع الدولة التي تعرف ماذا تريد ليس من موقع رجل السلطة الذي ينتظر ما سيأتيه من الآخرين.
0 ومهما يكن من أمر.. فان قضية التأشيرة درس للجميع.. خاصة من يعولون على مسعد بولس.

الأربعاء 23 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!