أسامه عبد الماجد يكتب: البرهان يستشعر الخطر

0 أصبحت الأزمة الاقتصادية في ظل استمرار الحكومة في إدارة الأزمة بالمسكنات واقعاً يفرض نفسه على الأسواق وحياة المواطنين اليومية.. في ظل عجز الأسر عن توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء.. واستمرار ارتفاع سعر الدولار مما ادى لانهيار الجنيه السوداني.. ومع استمرار التدهور لم يعد المواطن يريد سماع حديث جديد عن صعوبة الظروف.
0 لخص نائب الرئيس مالك عقار عندما التقيناه قبل يومين جانباً كبيراً من الواقع.. قال ان (السوق نار وأن الوضع يحتاج إلى معالجة عاجلة) .. وأن (المواطن لن ينتظر لأن الجوع كافر).. الأخطر أن هذا القلق لم يعد حكراً على المواطن.. الرئيس البرهان نفسه بدأ يستشعر خطورة الوضع فخلال لقائه بالصحفيين والإعلاميين الأسبوع الماضي.. أبدى عدم رضاه عن أداء حكومة كامل إدريس.. وقال إن الشعب السوداني يحتاج إلى حكومة (تحس بيه وقاعدة مع الناس وتجوع معاهم وليس حكومة أفندية وبروفيسورات)
0 منذ تشكيل حكومة كامل إدريس ظل المواطن ينتظر أن يرى تغييراً واضحاً في حياته اليومية.. لكن ذلك لم يحدث بل وبالعكس ارتفعت الأسعار وتراجعت القدرة الشرائية.. وفي الوقت نفسه استنزفت الحرب موارد الدولة حتى ضاقت مساحة الحركة أمام الحكومة.. وقال البرهان ان السودان يواجه حرباً اقتصادية إلى جانب الحرب العسكرية.. لكن المواطن لا يستطيع الفصل بين الحرب العسكرية والأزمة الاقتصادية.. فبالنسبة إليه الحرب هى ارتفاع أسعار الغذاء ونقص الدواء.. وغلاء المواصلات وتراجع الدخل وفقدان فرص العمل.
0 وفي المقابل كان من أبرز ما ورد في تصريحات البرهان تأكيده أن المؤسسة العسكرية لا تتدخل في عمل الحكومة (من قريب أو بعيد).. مع إشارته في الوقت نفسه إلى أن بعض القضايا تفرض عليهم التدخل لمعالجتها خصوصاً ما يتعلق بالرسوم والجبايات والجمارك.. إذا كانت الحكومة مسؤولة عن إدارة الاقتصاد فيجب أن تكون لديها الأدوات والصلاحيات الكافية لمعالجة الأزمة.. وأن تتحمل في الوقت نفسه مسؤولية النتائج أمام الشعب.. لأن تعدد مراكز القرار الاقتصادي و تداخل الاختصاصات.. أو توزيع القرارات بين جهات مختلفة يضعف قدرة الحكومة على تنفيذ سياسة اقتصادية واحدة ومتماسكة.
0 استوقفني في حديث الرئيس البرهان معنا عن الاقتصاد عندما كشف عن وجود أموال سودانية في الخارج تقدر بنحو 450 مليار جنيه.. سُلمت إلى مليشيا الدعم السريع المتمردة وربط ذلك بتفاقم الضائقة الاقتصادية وارتفاع أسعار العملات الأجنبية.. كما أشار إلى أن إنتاج السودان من الذهب يقدر بنحو 70 إلى 80 طناً.. بينما لا يتجاوز نصيب الحكومة منه نحو 116 كيلوغرام شهرياً.. ولعله أراد أن يقول إن من الخطأ اختزال تراجع الجنيه أمام الدولار في عامل واحد.
0 المشكلة الحقيقية هي مشكلة إنتاج.. والإنتاج تراجع وزادت الحاجة إلى الاستيراد وارتفع سعر الدولار وانعكس ذلك على أسعار السلع.. لذلك فإن العلاج لا يكون بالتصريحات أو بالمطاردة الأمنية لتجار العملة وحدها.. واعتقد ان اجتماع البرهان برئيس الوزراء امس إلى جانب تصريحاته الناقدة لحكومة كامل.. أعطى انطباعاً بأن أداء الحكومة أصبح موضع مساءلة سياسية واقتصادية.. لكن الاعتراف بالخطر يجب أن يتحول إلى فعل.. لأن استمرار التدهور الاقتصادي سيحول أزمة المعيشة إلى أزمة ثقة عامة في مؤسسات الدولة كلها بما فيها النظامية.. سيما وان المواطن لم يعد يحتمل مزيداً من الإجراءات الاقتصادية القاسية.. وهذا ما يجعل عبارة عقار (المواطن لن ينتظر) بمثابة جرس إنذار.
0 إذا كانت الحكومة تريد استعادة ثقة المواطن.. فعلى كامل إدريس أن ينتقل من الحديث عن الأزمة الاقتصادية إلى كيفية إدارتها.. البداية تكون بخطة اقتصادية واضحة بمراجعة حصائل الصادر
اذكر تشكلت لجنة ضمت وزيري المالية جبريل إبراهيم والتجارة السابق د. الفاتح عبد الله ومحافظ المركزي السابق برعي صديق.. وكانت مهمتها إعادة حصائل الصادر وتوصلت إلى أن (252) شركة متنوعة تهربت من إعادة الدولار.. وبلغت عوائد صادرات الماشية نحو (750) مليون دولار والسلع الأخرى نحو (350) مليون دولار.
0 خيرت اللجنة الشركات إما بإعادة حصائل الصادر أو شطبها من السجل.. كما اشترطت تحويل المبالغ من البنوك بالخارج إلى حساب البنك المركزي.. وكانت النتيجة انخفاض سعر الدولار من (2100) جنيه إلى (1800) جنيه، ثم إلى (1700) جنيه.
ثانياً يجب ضبط الرسوم والجبايات وإلغاء كل الرسوم غير الضرورية.. التي تزيد تكلفة نقل السلع وتؤدي إلى ارتفاع الأسعار.. ثالثاً إحكام إدارة الذهب وإنشاء قناة رسمية لشرائه وتصديره.. مع شفافية كاملة في الكميات والأسعار والعائدات.
0 رابعاً زيادة صادرات السلع غير الذهب خصوصاً المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية.. خامساً توحيد القرار الاقتصادي وإيقاف تعدد الجهات التي تتخذ قرارات.. تؤثر على النقد الأجنبي والأسواق والرسوم.. سادساً خفض الإنفاق الحكومي غير الضروري ومراجعة صرف مؤسسات الدولة.
0 سابعاً توجيه الموارد المتاحة إلى الغذاء والدواء والإنتاج والخدمات الأساسية.. ثامناً محاربة التهريب والفساد مع نشر بيانات دورية عن موارد الدولة وأوجه إنفاقها.. تاسعاً إعادة تشغيل الإنتاج في المناطق الآمنة.. وأخيراً حماية المواطن بشكل مباشر من خلال برامج واضحة للسلع الأساسية والدعم النقدي للفئات الأكثر تضرراً.. بدلاً من ترك المواطن وحده في مواجهة ارتفاع الأسعار.. ان البرهان بدأ يستشعر الخطر والشارع يشعر به منذ وقت طويل.. والسؤال هل يستطيع كامل إدريس أن يقدم معالجة حقيقية؟
0 ومهما يكن من أمر.. بصراحة الوقت لم يعد في صالح الحكومة.
الخميس 17 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com




