د. عثمان جلال يكتب: حوار الدين والدولة (2-1)

(1)
قال العباس لعلي بن أبي طالب: أدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأساله هل هذا الأمر من بعده في بني هاشم فإني أعرف الموت في وجوه بني عبد مناف؟ فرد علي والله لا أسأله ولو قال(لا) لمنعنا لها العرب أبد الدهر. والنبي القائد يدرك أن العرب لا يدينون للملوك والسلاطين قال الجاحظ (إن مكة لم تزل أمنا لقاحا لا تؤدي أتاوة ولا تدين للملوك وسمي البيت الحرام بالبيت العتيق لأنه لم يزل حرا لم يملكه أحد) وقديما سخر زعماء مكة عندما طرح بعضهم فكرة تنصيب عثمان بن الحويرث ملكا على مكة رغم أنه كان من أحناف الجاهلية وقالوا: وهل كان في تهامة ملكا؟؟ بالتالي فالخلافة لا تورث لعصبة النبي من بني هاشم ولا لأخواله الأبعاد الذين يتحدرون من اليمن وفي القصة الطريفة أنه قدم على النبي في عام الوفود وفد كندة وفي طليعته الأشعث بن قيس، فلما دخلوا عليه قال الأشعث: (يارسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار) فتبسم النبي وقال للحاضرين: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث وكانا تاجرين واذا شاعا في بلاد العرب وسئلا من أنتما؟ قالا نحن بنو آكل المرار يتعززان وأول من لقب بآكل المرار هو حجر بن عمرو بن معاوية أول ملوك كندة في اليمن، والقصة تعبر عن طموح الأشعث وفي احتواء الرسالة المحمدية واسترجاع ملكهم بها. رد النبي على الأشعث: لا لسنا من بني آكل المرار بل نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا .
(2)
سأل الصحابة الرسول من تأمر بعدك ؟ ولأنه يدرك أن ختم الرسالة يعني نقل القيادة من الفرد المعصوم إلى الأمة المعصومة قال : إن تأمروا أبابكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا ، وإن تأمروا عمرا تجدوه قويا أمينا . وإن تأمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم إلى الطريق المستقيم،وهذه معايير الكفاءة والقيادة السياسية.
مضى النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى ولم يحدد خليفته، ولم يحدد آلية اختيار الخليفة، ولم يحدد السقف الزمني للخلافة ولا المسمى الوظيفي لخليفته. بل ترك تجربة في السياسة والحكم أدارها بعقل القائد الفذ وروح الجماعة والمؤسسية والشورى ومحصنة بسياج من القيم والأخلاق . هذه التجربة تؤكد أن الأصل في السياسة وقضايا الحكم الإباحة، وتعزز أن إدارة الدولة في الإسلام شأن بشري ودنيوي وتدخل في سياق الأثر النبوي (أنتم أدرى بأمور دنياكم)وهذا يتماثل مع المفهوم المعاصر لمصطلح السياسة والذي يعني إدارة الموارد البشرية والإقتصادية والطبيعية لتحقيق المصلحة العامة.
(3)
هكذا تفاعل النبي (ص) بعقل القائد البشري مع كل قضايا السياسة والحكم وذلك بما يصب في مصلحة الإسلام والمصلحة العليا للدولة الإسلامية ففي التشريع أبرم وثيقة المدينة للتعايش بين المسلمين والتيارات الدينية الأخرى في المدينة. وفي صيانة الجبهة الداخلية آخى بين الأوس والخزرج وبين المهاجرين والأنصار ، وفي السياسة الخارجية وقع صلح الحديبية مع قريش، وتحالف مع قبيلة خزاعة دون إلزامها بالاسلام. وفي قضايا الاقتصاد نصح بعدم توبير النخل ولما كسد الموسم الزراعي قال للمزارعين المتخصصين وهو القادم من البيئة المكية التي تمتهن التجارة والرعي: أنتم أدرى بأمور دنياكم .وكان يعقد الشورى في كل المعارك الحربية التي خاضها بل ينزل لرأي المتخصصين في الحروب أمثال الحباب بن المنذر في معركة بدر، وسلمان الفارسي في يوم الخندق .وكذلك كان يمارس مهام القضاء بالعقل البشري (إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم ولعل بعضكم يكون أبلغ من بعض ومن قضيت له بحق احد إنما هي قطعة من نار فلياخذها أو يتركها).
(4)
لقد أسس النبي (ص) دولة المدينة على ركائز الحرية والشورى والتنوع بدأت وعدا من خلال بيعة العقبة الاولى والثانية وعقدا من خلال دستور المدينة وتوسعت عهدا باستيعاب يهود المدينة ونصارى نجران ومجوس هجر وفي كل هذه الأطوار كان التعاقد هو الأصل في العلاقات والمجتمع هو المرجعية في كل شعابها ومؤسساتها وتفاعلاتها، من يشتري بئر رومة وله الجنة
ومن يشتري الدار المجاورة للمسجد وله الجنة، ومن يجهز جيش العسرة وله الجنة، هكذا كانت الرسالة المحمدية لا تعترف بالأرستقراطية أو الملأ من المجتمع ولا يوجد فيها برنامجان للصفوة وآخر للعامة وفي نموذج هذه الدولة تفتقت عبقرية بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وأسامة بن زيد وسمية بنت خياط وبركة الحبشية وبريرة مع عبقرية علي والزبير وخالد بن الوليد وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وخديجة وعائشة بنت أبي بكر ، ونسيبة بنت كعب المازنية، ونسيبة بنت الحارث النجارية،وأم حرام بنت ملحان. ولذلك كان الهرم القيادي الأعلى للخلافة قويا وكذلك كان المجتمع قويا. لقد كانت قيم الحرية والشورى والجماعة هي سر انتصار المسلمين على العرب الوثنيين ثم الانتصار على الفرس والروم .
ونواصل
الأربعاء : 2026/6/17م



