أسامه عبد الماجد يكتب: كثير سفر قليل أثر

0 قد لا يعلم الكثيرون أن زيارة كامل إلى تركيا لم تختلف كثيراً عن زياراته الخارجية السابقة.. بل جاءت أقرب إلى زيارتي الفاتيكان وبريطانيا من حيث ضعف النتائج وغياب المكاسب الحقيقية.. فمنذ توليه المنصب ظللنا نتابع سلسلة من الزيارات الخارجية التي تجاوزت العشر.. وكانت آخرها محطة أنقرة ولم تستفيد البلاد من تلك الجولات.. وبقيت المخرجات أشبه بالسراب يحسبه الظمآن ماء.. بينما تتفاقم الأزمات الداخلية يوماً بعد يوم.
0 قال إدريس أن الزيارة جاءت في إطار اجتماعات اللجنة الاقتصادية العليا التي ترأسها من الجانب التركي نائب رئيس الجمهورية ومن الجانب السوداني شخصه.. بينما تزامنت في الأصل مع انعقاد اللجنة الوزارية المشتركة برئاسة وزيري الزراعة في البلدين.. للأسف كان بالإمكان تحقيق مكاسب كبيرة من زيارة دولة بحجم تركيا.. العضو في مجموعة العشرين الكبار خاصة مع فرصة لقاء الرئيس أردوغان.
0 إلا أن كامل لم يحسن الإعداد للرحلة وحاول التموية رغم المظهر الجيد المصاحب لها والذي شمل وزراء المالية، الزراعة، النفط، والمعادن.. إضافة إلى وزير الإعلام “صحبة راكب” حيث لا دور له في الزيارة.. والأخطر أن أياً من الوزراء لم يحمل ملفاً متكاملاً لمشروع محدد.. أو دراسة جادة يمكن التفاوض حولها وكأن الزيارة مجرد نشاط دبلوماسي او ركلة ترفيهية لا يرتبط بمصالح شعب يواجه أزمات اقتصادية خانقة.
0 وقد تحدثنا بالأمس عن فضيحة ملف الكهرباء.. كما أن كامل لم يعقد اجتماعات تحضيرية جادة قبل الزيارة.. ولم تجري الوزارات المعنية تنسيقاً مسبقاً أو تبادلاً للرؤى مع نظرائهم الأتراك تمهيداً لتوقيع مذكرات تفاهم حقيقية كما فعلت نيجيريا.
ففي يوم الخميس ومع وجود الوفد السوداني.. وعلى هامش قمة إسطنبول للموارد الطبيعية وقع وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي مع وزير تنمية المعادن الصلبة النيجيري مذكرة تفاهم للتعاون في قطاع التعدين.. وقد أصدر الوزيران تصريحات رسمية كما نشرت وزارة الطاقة التركية بياناً مفصلاً.. يوضح طبيعة الاتفاقية ومجالات التعاون بما يؤكد أن الأمر تم الإعداد له بعناية عبر فرق عمل متخصصة.
0 أما في زيارة كامل العشوائية فلم نقرأ بياناً واحداً يحمل تفاصيل واضحة أو معلومات حقيقية.. باستثناء أحاديثه الفضفاضة بعد العودة.. وتهريج صديقه وزير الإعلام في محاولة لتسويق الزيارة وكأنها إنجاز كبير.. الحقيقة ان كامل استغل اجتماع اللجنة الوزارية ليغطي على إخفاقات زيارتي الفاتيكان وبريطانيا.. بينما كانت الفضيحة الأكبر أن تركيا أدركت حقيقة حكومته وضعف جاهزيتها.
0 كانت الفرصة متاحة أمام رئيس الوزراء لتشكيل فريق متخصص لمراجعة الاتفاقيات التي وقعها الرئيس أردوغان مع الرئيس البشير خلال زيارة الخرطوم في ديسمبر 2017.. وإعادة تفعيلها خاصة أن بعضها شهد خطوات تنفيذية مهمة بمتابعة دقيقة من سفير السودان لدى تركيا آنذاك يوسف الكردفاني.
0 ويحسب للسفير الهمام الكردفاني الذي يمثل السودان خير تمثيل.. حيث يتولى رئاسة مؤسسة أفريقية مرموقة تعتبر إحدى أذرع الاتحاد الأفريقي وتتخذ من تونس مقراً لها… يحسب له أنه أسهم في تطوير العلاقات السودانية التركية بصورة غير مسبوقة.. وهو السفير الذي رافقته كريماته الفضليات عند تقديم أوراق اعتماده لأردوغان وفقاً للأعراف الدبلوماسية .. وأطلقت حوله شائعات كاذبة تزعم أنهن زوجاته.. الكردفاني هو صاحب مبادرة ترفيع اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين.. وشهد له رئيس الوزراء الاسبق معتز موسى بذلك.. وهو المقترح الذي وافق عليه السودان ثم تركيا، ليتم تحويلها إلى لجنة اقتصادية عليا برئاسة رئيس الوزراء السوداني ونائب الرئيس التركي.
0 وعقدت اللجنة أول اجتماعاتها في السودان خلال نوفمبر 2018.. حيث اجتمع نائب الرئيس التركي مع معتز موسى.. غير أن الاجتماع جاء دون التوقعات بسبب رفض معتز لعدد من المشروعات المطروحة وهي تفاصيل تستحق التوقف عندها في مقال لاحقاً لما شابها من غرابة.. ومع ذلك كان من أبرز ثمار اللجنة العليا افتتاح تركيا لبنك زراعي في الخرطوم.. وهي خطوة عكست جدية الجانب التركي في التعامل مع السودان آنذاك.
0 لقد خدع كامل وحكومته الشعب السوداني بما فيه الكفاية.. وفشلوا حتى في الإسهام الجاد في معالجة أزمات المواطنين ناهيك عن حلها بالكامل.. إذ لا تزال معاناة الناس في الخدمات والمعيشة والأمن تتفاقم وسط غياب أي رؤية واضحة من حكومة (الألم والوجع).. تعتبر تركيا شريكاً استراتيجياً مهماً للسودان خاصة في مجالات الطاقة والزراعة والمعادن والمخابرات وغيرها.. ولا ينبغي التعامل مع هذه العلاقة باستخفاف وسذاجة.
0 المطلوب من الحكومة أن تحدد أولوياتها بوضوح وأن تدخل أي تفاوض وهي مستعدة بملفات مدروسة ومشروعات قابلة للتنفيذ.. مع اختيار مفاوضين يمتلكون الكفاءة والخبرة وليس شخصيات أقرب إلى (الجوكية).. كما يجب التمييز بين المشروعات التنموية والخيرية التي تقدمها تركيا أو غيرها من الدول دعماً مباشراً للسودان.. وبين المشروعات الاستثمارية والتجارية القائمة على مصالح القطاع الخاص في البلدين.. لأن الخلط بين المسارين كثيراً ما يؤدي إلى تضليل الرأي العام وإيهامه بإنجازات غير موجودة على أرض الواقع.
0 لقد أضرت قحت بعلاقات السودان مع دول مهمة في مقدمتها المملكة السعودية وماليزيا وتركيا.. وخسر السودان كثيراً بسبب رعونة بعض القوى السياسية وأجنداتها الضيقة.. ومع ذلك لا تزال الفرص متاحة لبناء شراكات استراتيجية واقتصادية حقيقية مع عدد من الدول المهمة.. لكن ذلك يتطلب إعداد مشروعات قابلة للتمويل المصرفي وتهيئة بيئة مناسبة للاستثمار والتنمية والتطوير بعيداً عن الارتجال والشعارات السياسية.
0 ومهما يكن من أمر.. ماذا نقول مع كامل إدريس و”شلته” وصديقه ؟!.
الأحد 24 مايو 2026
osaamaaa440@gmail.com



