رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: سياحة سياسية

 

0 يؤسفني بشدة أن أطرح هذا الرأي.. لكنني أرى أنه من الضروري إخضاع رئيس الوزراء كامل ادريس لفحص إدراكي.. وهو يختلف تماماً عن الفحوصات الطبية الدورية الروتينية.. يهدف إلى تقييم الوظائف الذهنية الأساسية والكشف المبكر عن أي مؤشرات قد تشير إلى ضعف إدراكي خفيف وهي مسألة ذات أهمية خاصة لدى كبار السن.. وهو فحص لا يقيس مستوى الذكاء ولا يقيم القدرات السياسية، يركز على تقييم مهارات حيوية كالذاكرة، الانتباه، القدرة على التركيز، استخدام اللغة والإدراك الزماني والمكاني.. بالإضافة إلى القدرة على التعرف على الأمور والاستجابة لها.. وقد أصبح هذا النوع من الفحوصات محط اهتمام عالمي حيث باهى الرئيس الأمريكي ترمب العام الماضي بخضوعه له واجتيازه بنجاح.. وسخر حين برر خطوته أن يكون مختلفاً عن سلفه بايدن.
0 وإنني أكرر أسفي الشديد لأنني أدعو إلى هذا الإجراء.. لأن ما يقوم به كامل ادريس على الساحة السياسية والدبلوماسية اضطرنا لذلك.. وهو يضع السودان في موضع الاستهزاء والسخرية داخلياً وخارجياً.. لقد أنهى زيارته للفاتيكان التي جاءت بلا قيمة تذكر وبدون أي جدوى ترجى منها.. فالبابا كان قد قام بجولة أفريقية الشهر الماضي استمرت أحد عشر يوماً وغطت أربع دول.. ومع ذلك لم يصدر عنه أي موقف يدعو إلى تحقيق السلام في السودان.. ولم يدين جرائم قتل المدنيين أو الاغتصاب الممنهج الذي تمارسه المليشيا.
0 وما لا يعلمه كامل أن السودان ظل لسنوات خارج قوائم اللجنة الأمريكية المعنية بالحرية الدينية (القائمة السوداء).. التي تصنف الدول والمجموعات (كيانات مثيرة للقلق) في حال انتهاكها للحريات الدينية.. وعلى الرغم من الحرب فان تقرير هذا العام لم يشير إلى السودان بأي صفة سلبية.. بالمقابل صنف المليشيا كياناً مثيراً للقلق وهو ما يؤكد أن السودان يحظى بسمعة ممتازة ويسوده التعايش السلمي ومع ذلك فشلت الزيارة في استثمار هذا الموقف الإيجابي.
0 ومن الفاتيكان انتقل ادريس إلى بريطانيا في زيارة باهتة لا لون لها ولا طعم ستستمر أسبوعاً كاملاً..وبعد يومين فقط من وصوله ألقى محاضرة في جامعة أكسفورد وهو أمر صفق له البعض بعبط وسذاجة وكأنه أنجز معجزة عجز عنها كل أبناء السودان.. متجاهلين تماماً العمل الدؤوب والضخم الذي تقوم به البعثة السودانية في لندن بقيادة السفير أبوبكر الصديق – المغلوب على أمره – سيضطر لتعطيل برامج عمله الحيوية ومهامه الدبلوماسية الضاغطة ليرافق كامل ووفده.
0 والحق أن ما قام به السفير والبعثة يفوق ما فعله رئيس الوزراء حكومته ممذ ولادتها بمراحل ففي نوفمبر من العام الماضي خاطب السفير ندوة حاشدة في أكسفورد ومنظمة بعناية تحت عنوان ” الحرب المفروضة على السودان” نظمها منبر الحوكمة الأفريقية بالجامعة.. في حين جاءت مشاركة كامل في برنامج أمس بحضور مخجل وضئيل للغاية لا يليق باسم السودان. وقبل ذلك كان السفير قد شارك في مؤتمر جمعية أبحاث آثار السودان بجامعة كامبريدج.. ونظمت البعثة (3) مؤتمرات صحفية كبرى تخللتها مشاركة وزير الخارجية “اسفيرياً.
0 وبعد أحداث الفاشر تحديداً قامت البعثة بعمل جبار يعجز كامل وحكومته واعلامه المضلل القيام بجزءاً منه.. حيث أجرى السفير أبوبكر الذي يتمتع بخبرة طويلة كصحفي وناطق رسمي أسبق لوزارة الخارجية.. (14) مقابلة تلفزيونية مع كبرى المحطات العالمية منها (سي إن إن) ، (سكاي نيوز البريطانية)، (آي تي في) ، و(تي آر تي) وكلها كانت باللغة الإنجليزية.. فضلاً عن (4) حوارات مطولة مع صحيفة الغارديان، واستقبال وفود إعلامية كبرى كالتايمز والديلي تلغراف.
0 ولم يكتف بذلك ونشر (4) ردود ومقالات رداً على ما ورد في صحيفتي (الفاينانشيال تايمز) و(الغارديان) من معلومات مغلوطة.. وعلى صعيد العلاقات السياسية عقدت البعثة لقاءات موسعة مع أكثر من (12) نائباً وعضواً في مجلس اللوردات البريطاني.. واستضافت ندوة كبرى في البرلمان البريطاني عرضت خلالها موقف السودان حكومة وشعباً من الحرب.. وهو إنجاز غير مسبوق.. واخشى ان (يفتل) كامل الشهر المقبل زيارة للندن لمخاطبة البرلمان البريطاني ويصطحب شلته (الاعيسر والحفيان ونزار).
0 كما حافظت السفارة السودانية على تواصل استراتيجي مع أبرز مراكز البحث والدراسات البريطانية كمعهد روسي والمعهد الملكي للخدمات المتحدة.. والتقى السفير بعدد من الوزراء البريطانيين منهموزير الدولة لشؤون أفريقيا (مرتين).. وزير الدبلوماسية الدفاعية، وزير القوات المسلحة ووزيري الخارجية السابق والحالي.. وفي جانب الرباط الوطني نظمت البعثة احتفالاً ضخماً بمناسبة ذكرى الاستقلال.. وهو الأول من نوعه في بريطانيا منذ أكثر من 10 سنوات بتمويل كامل ومساهمة من رجال الأعمال السودانيين هناك.. دون أن يكلف خزينة الحكوة – التي ارهقها كامل – جنيهاً واحداً وأنتجت فيلماً وثائقياً لهذه المناسبة.. وكانت السفارة الوحيدة في كل أوروبا والعالم الغربي التي تقيم مثل هذا الحدث الكبير.
0 كما أحيت ذكرى تأسيس الجيش السوداني بحفل دبلوماسي وسياسي رفيع المستوى.. وأصدرت (4) كتيبات مهمة تحت عنوان (حقائق عن السودان) تناولت الدور الإماراتي في تأجيج الحرب.. تاريخ القوات المسلحة ودورها.. وجود المرتزقة الأجانب واخيراً حصار الفاشر.. ولم يقتصر نشاطها على الحرب انما نظمت ندوات حول إعادة الإعمار ورؤى السلام المستدام.. واستضافت مؤتمرات الجاليات ورعت أنشطة الجالية لدعم القوات المسلحة.. وغيرها من اللقاءات والفعاليات مما جعل بريطانيا واحدة من أهم ساحات العمل الشعبي والدبلوماسي المؤيد للسودان.
0 هذا هو العمل الجبار الذي لم تقم به حكومة كامل ادريس بأكملها.. وهو عمل رصدناه في “الشعب” ضمن سلسلة (دور السفارات ما بعد الفاشر) وسنواصل نشر تفاصيلها.. والسؤال ما الذي لم تقم به بعثة السودان في بريطانيا حتى يزورها كامل ادريس ويخلف وراءه تركة ثقيلة من المشاكل والتحديات.. ويعرقل مسار العمل الدبلوماسي الناجح ؟.. لقد فعل الأسوأ حيث لم يكتف بعرقلة الجهود وتسبب في ابعاد الرجل المبادر الجنرال الهمام إبراهيم جابر.. عن موقعه في رئاسة لجنة تهيئة العودة للخرطرم ليوقف مسيرة إنجازاته.
0 غادر كامل الى بريطانيا في وقت البلاد تغرق في أزمات الكهرباء المتفاقمة.. وارتفاع الأسعار الجنوني الذي أرهق المواطن.. وكان آخر نشاطاته العبثية زيارته لسوق أم درمان حيث قام بتحريض التجار – كما اعتاد – على عدم دفع الرسوم وهي التي تسهم في تمويل رحلاته الخارجية.. وبدلاً من أن يدرس الأمر أصدر قراراً ارتجالياً بتخفيض الرسوم إلى النصف دون رؤية اقتصادية سليمة.
0 أن جميع رحلات كامل الخارجية المتعددة باءت بالفشل الذريع ولم تشهد أي منها توقيع اتفاقية تعاون واحدة في أي مجال.. لا اقتصادي ولا سياسي ولا ثقافي ولم تقدم أي مكاسب حقيقية للسودان.. عندما يعود كامل من لندن الأسبوع المقبل يكون قد أكمل عاماً كاملاً في منصبه وبعد هذا الاستعراض لسجله الحافل بالزيارات الفاشلة والمواقف المخزية.. يتضح جلياً أنه سجل ملئ بالخيبات والخذلان.. لا يليق بحجم التضحيات التي يقدمها الشعب السوداني.. ولا يليق بتاريخ السودان وسمعته التي يتلاعب بها كيفما شاء بكل استهتار وتهاون.
0 أن أزمة كامل إدريس في ضعف الحصيلة الدبلوماسية – رغم عمله الدولي – و في التخبط السياسي والانفصال الكامل عن أولويات المواطن السوداني.. تنزف البلاد تحت وطأة الحرب والجوع وانهيار الخدمات.. ويواصل الرجل إدارة الدولة بعقلية الاستعراض والقرارات المرتجلة والرحلات عديمة الجدوى.. وبعد عام كامل في السلطة لم يترك وراءه سوى سلسلة من الإخفاقات والوعود والصور الباهتة حتى أصبح وجوده عبئاً على الدولة.
0 ومهما يكن من امر.. التاريخ لن يرحم من بدد هيبة الدولة.. واستهان بتضحيات شعبها في أحلك اللحظات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!