د. زحل السعيد تكتب: اليوم الدولي لإلغاء الرق وحرب السودان

0 يوافق 2 ديسمبر من كل عام اليوم الدولي لإلغاء الرق، وهو تاريخ رمزي اختارته الأمم المتحدة تخليداً لاعتماد اتفاقية قمع الاتجار بالأشخاص واستغلال الغير في البغاء عام 1949. يتجاوز الهدف من هذا اليوم مجرد استذكار العبودية التقليدية التي أُلغيت قانوناً، ليركز بشكل أساسي على مكافحة الأشكال المعاصرة للاستعباد البشري التي تتطور باستمرار وتتفاقم حدتها في ظل الأزمات.
0 لقد أدى النزوح الداخلي والخارجي الهائل في السودان إلى خلق بيئة مثالية لعمل شبكات الاتجار، حيث أصبح النازحون فريسة سهلة للمتاجرين بالبشر في ظل انعدام الأمن والانهيار الاقتصادي.
لا يُعد مصطلح “الرق الحديث” تعريفاً قانونياً دقيقاً، بل هو توصيف شامل للممارسات التي تحرم الفرد من حريته وتُجبره على العمل أو العيش تحت التهديد أو الإكراه، محاكياً بذلك جوهر العبودية التقليدية.
أشكال الاستعباد المعاصرة
تتضمن الأشكال المعاصرة للاستعباد ممارسات عدة، أبرزها: العمل الجبري أو القسري، وعبودية الديون، والاتجار بالبشر والاستغلال، والزواج القسري، واستغلال الأطفال، والاسترقاق المنزلي.
0 يستند الإطار الدولي لمكافحة هذه الظواهر إلى مجموعة من الصكوك الأساسية.. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): المادة 4 تنص صراحة: “لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويُحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما.” و اتفاقية إلغاء الرق (1926) والاتفاقية التكميلية (1956).. وبروتوكول باليرمو (2000) الخاص بمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال.. اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بمكافحة العمل الجبري وعمل الأطفال.
مكافحة الرق في السودان: الجهد المتقطع والانهيار بعد الحرب
0 مرت جهود السودان لمكافحة الاستعباد والاتجار بالبشر بمراحل متباينة، متأثرة بالصراعات الداخلية وعدم الاستقرار. لقد أدت الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الأمنية والقضائية إلى شلل قدرة البلاد على تطبيق القانون وتقديم المساعدة للضحايا، مما فاقم الأزمة بشكل مريع.
0ألغى السودان الرق رسمياً، لكن الممارسة استمرت بشكل غير رسمي في بعض مناطق النزاع. وقد جرمت القوانين السودانية الحديثة، بما في ذلك قانون العقوبات لسنة 1991، الرق والعبودية.. منها قانون مكافحة الاتجار بالبشر (2014) يُعد هذا القانون خطوة حاسمة في تفعيل العقوبات. وهو يُعرّف الاتجار بالبشر بأنه يشمل التجنيد أو النقل أو الإيواء أو الاستقبال بغرض الاستغلال عبر التهديد أو القوة، ويعاقب عليها بالسجن والغرامة.
0 اعتُبر السودان نقطة عبور، ومصدراً، ووجهة للاتجار بالبشر. وللتصدي لذلك، عملت الحكومة بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة على وضع خطط وطنية.. ركزت الخطة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر على الاستراتيجية الشاملة القائمة على المحاور الأربعة للمكافحة
وهى الحد من عوامل الضعف والمخاطر.. توفير الدعم للضحايا والناجين.. الملاحقة القضائية محاكمة مرتكبي الجرائم.. تعزيز التعاون الوطني والإقليمي والدولي.
0 أثمرت هذه الجهود، قبل اندلاع الحرب، عن فعالية واضحة تمثلت في التوثيق والملاحقة القانونية ومحاكمة عدد من المتهمين. أدى اندلاع الحرب إلى انهيار كامل لجهود مكافحة الاتجار بالبشر وتفاقم الظاهرة بشكل كارثي. ظهرت تقارير دولية توثق انتهاكات خطيرة تندرج ضمن أشكال الرق الحديث وجرائم الحرب، تقارير توثق تجنيد الأطفال من قبل مليشيا الدعم السريع.. توثيق حالات اغتصاب وعنف جنسي واختطاف لفتيات ونساء واقتيادهن إلى مناطق النزاع في دارفور وغيرها، في انتهاكات ترقى إلى مستوى الاسترقاق الجنسي والجرائم ضد الإنسانية على أساس عرقي، وقد تضمنت هذه التقارير اتهامات لمليشيا الدعم السريع بالوقوف وراء هذه الجرائم.
0نظراً للأهمية الملحة لهذا الملف في خضم الأزمة، تُوجّه التوصيات التالية لضمان حماية المدنيين والمحاسبة المستقبلية وذلك بتعزيز الحماية العاجلة للضحايا.. الأولوية لإنشاء خطوط اتصال ساخنة آمنة تُدار بإشراف مفوضية العون الإنساني وبالاستعانة بالمنظمات الدولية.. توفير ملاذات آمنة (أو نقاط إيواء متنقلة) لضمان وصول الدعم الطبي والنفسي الفوري، خاصة للناجيات من العنف الجنسي والاستعباد.
0 كذلك تفعيل دور آليات العدالة الدولية (مثل لجان خبراء الأمم المتحدة) وبتنسيق مع الجهات ذات الصلة في الدولة لضمان التوثيق الدقيق والشامل لجميع حالات الاتجار بالبشر، والعبودية الجنسية، والاختطاف التي تحدث أثناء النزاع، لحفظ الأدلة لاستخدامها في الملاحقات القضائية المستقبلية ضد مرتكبي جرائم الحرب.
إطلاق حملات توعية مُركّزة عبر الوسائل المتاحة (الراديو، الرسائل النصية) في المخيمات والمناطق الحدودية، لتحذير النازحين من مخاطر عروض العمل والتهريب الخادعة وتجنيد الأطفال، لمواجهة تكتيكات المتاجرين.
0 وايضا تنشيط الشراكة والتنسيق الإقليمي عبر تكثيف التعاون الإقليمي العاجل مع دول الجوار (مصر، تشاد، إثيوبيا) لحماية اللاجئين السودانيين من الاتجار في تلك الدول.. دعم اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر لتنسيق جهود الإغاثة والطوارئ عن بعد، للحفاظ على استمرارية الإطار المؤسسي.
* خبيرة في الشؤون الانسانية والسياسات الاقليمية




