رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: عض الأيادي !!

 

التاريخ: 11 أبريل 2023
الزمان: قبيل أذان المغرب في رمضان  المكان:حي المطار – الخرطوم

0 كانت سيارات البوكس من فئة (ساند ستورم) التي ذكر د. الدرديري محمد أحمد في مقالته الشهيرة عرب الشتات أن الباغي الشقي حميدتي يوزعها على – الرخيصين – الوصف من عندي – كما يوزع الحلوى – منتشرة بكثافة قرب مباني جهاز المخابرات وفي الشوارع المجاورة.. وفي تلك اللحظات كنا نقترب من مقر إقامة حميدتي، ذلك المنزل الفخم القابع في الحي الحكومي.. (دنيا زايلة وزايل نعيمكي).
0 المنطقة بدت لي كأنها ثكنة عسكرية عناصر الجنجويد كانوا يتجمعون حول موائد الإفطار.. بأعداد مهولة، كأنهم الذباب على أكوام القمامة، وعلى امتداد الشارع شرق منزل زعيمهم عشرات العربات المدرعة ظهرت لأول مرة في ذلك المكان.. إضافة إلى منزل قريب هُدم سوره ليُملأ بالسيارات ذات الدفع الرباعي المحملة بالأسلحة الثقيلة.. لوح لنا بعض المجرمين بالترجل من السيارتين اللتين كنا نستقلهما – وربما كانت تلك آخر لحظة يظهر فيها شيء من كرم هؤلاء الوحوش -.
0 كانت أعدادهم كثيفة جداً، تدل على اقتراب الحرب لدرجة أنهم باتوا قريبين للغاية من “بوابة”.. فيها نقطة ارتكاز محورية للقوات المسلحة. ومن هناك يتجه الطريق غرباً إلى بيت الضيافة مقر إقامة الرئيس.. وشرقاً إلى مدرج المطار، وشمالاً إلى منازل كبار الضباط حيث كانت وجهتنا.. وبينما كان النداء لصلاة المغرب قد ارتفع، وصلنا إلى مقصدنا.. تقدم أحد أفراد فريق التأمين مسرعاً وفتح لنا الباب،كنت أول من دخل، ورأيت من بعيد الفريق أول ركن شمس الدين كباشي ينتظرنا وحيداً حول مائدة الإفطار في الحديقة.
0 مازحنا ووجه لي الحديث :”الجابك شنو مع الملكية الما منضبطين ديل.. يكونوا ذاتو ما صايمين”.. فجلست على يساره وقد حيرتني الأعداد الهائلة للجنجويد بالخارج. قلت له: “انت يا سعادتك مع الملكية ولا مع الأعداد الكبيرة لناس الدعم السريع البرة دي؟”.. ثم لوّحت له بهاتفي قائلاً: “لو جدعتو ما بقع في الأرض”.. عندها اختفت ابتسامته ورد قائلاً: “دي قصة طويلة والموضوع دا فِترنا من الكلام فيهو”.. ودعانا لتناول الإفطار. ثم حيّا بقية وفدنا رئيس مسار اتفاق الشرق خالد شاويش ومفاوض مسار الشرق أسامة سعيد والشاب الهمام عبد الرحمن محمد عبد الرحمن.
0 نظر كباشي لبرهة إلى غزال صغير اقترب منه.. وكأن القدر أراد أن يذكرنا بقدرات الغزال علي التحمل والقفز.. والقدرة على مقاومة الجفاف والعيش في الظروف القاسية.. صفات تشبه ما تكيفت عليه القوات المسلحة بعد تمرد المليشيا..
انتقل الحديث لاحقاً إلى نقاشات عامة، لكن التركيز انصب على الاتفاق الإطاري.
0 وبذكاء قام عبد الرحمن بجمع الهواتف بما
فيها هاتفي كباشي وأخذها بعيداً إلى الصالون، ثم أعادها عندما انتقلنا إليه لأن في تلك الايام كان “للجدران اذان” .. ورغم ذلك زج بعض الخبثاء باسمه ضمن المتعاونين مع المليشيا.. كانت نبرة أسامة سعيد – الذي أصبح لاحقاً ضمن الفئة الضالة مع الجنجويد، لاتخلو من حدة وقال لكباشي: “انت مالك معطل الاتفاق الإطاري”.. ردّ الجنرال بهدوء أنه ليس المسؤول عن التوقيع ولا الآمر به. لكن أسامة واصل بلهجة حادة هذة المرة: “الحكاية بيدك انت، البقية موافقين”.. نبهته للحديث بهدوء، وكذلك فعل شاويش بينما ردعه عبد الرحمن قائلاً: “ماتتكلم مع سعادتو باللهجة دي”.. احتج أسامة سعيد، على عبارته، فتدخل كباشي في الحديث
0 وواصل سعيد حديثه بان كل قيادات الحرية والتغيير يزورون كباشي ويجتمعوا معه واتهموه بعرقلة الإطاري.. امن كباشي على زيارات عرمان وخالد وطه إسحق وغيرهم وانه يستمع اليهم.. ثم تغير صوته إلى نبرة صارمة قائلاً: “الجيش دا واحد ومافي زول كبير على الجيش.. ونحن ما بنساوم على الجيش وما بندخل فيهو سياسة.. ومافي زول مهما جمع من قوة بِلوي يد الجيش”.. انضم إلينا اللواء أبوبكر فقيري وقدم مرافعة رصينة عن الجيش.
0 بعد نحو ساعتين ونصف من الحديث.. ودعنا كباشي.. وذكرنا بدعوة الإفطار الجماعي (الجمعة 14 أبريل – نادي النيل).. وبدا أسامة سعيد يومها بمنطق (أما الإطاري أو الحرب)، كما قال القحاتي الجنجويدي بابكر فيصل. عند عودتنا مررنا بنفس الطريق، وكانت جموع الجنجويد منتشرة بكثافة. اتصلت لاحقاً بأحد المقربين منهم، ورويت له ما رأيت، فضحك وفاجأني بمعلومات صادمة.. قال إن “حراسات” حميدتي كانت (600) عنصراً وأصبحت الآن (3500)، وأشار إلى الآليات والمدرعات التي وصلت الخرطوم في مارس 2023، وإلى عشرات الآلاف الذين امتلأت بهم مقار هيئة العمليات بجهاز المخابرات منذ أن استولت عليها المليشيا في يناير 2020 بكامل عتادها ومركباتها.
0 بعدها بثلاثة أيام حضرنا إفطار كباشي بنادي النيل، (قبل الحرب بساعات) وهناك التقيت ياسر العطا الذي طمأنني بقوله:” نحن الجيش دا ما بنلعب فيهو”.. ثم التقيت الرئيس البرهان الذي أدى صلاة المغرب أمامي بقليل في صفوف الوسط.. فسألته عن الأحوال فقال: “الأمور طيبة إن شاء الله”.. كاد السودان كله يكون حاضراً ذلك اليوم، عدا أبو لولو الأكبر حميدتي وشقيقه.. اللذين ربما كانا يجهزان حينها للغدر بالقوات المسلحة فجر السبت.
0 لكن لا يهم كم بلغ عدد قواتهم، كما حاول الوزير الأسبق حسن إسماعيل أن يتقرب بذلك للرئيس البرهان ويقول إن الدعم السريع ورثته له الإنقاذ بعدد (70) ألفاً وليس (15) ألفاً كما يظن البعض.. من الصعوبة بمكان تصديق رواية حسن التي نسبها للبرهان.. خاصة عندما قال ان البرهان أدار كرسيه وأخرج له ملفين يوضحان الرقم (70) ألف.. فما لا يعلمه حسن إسماعيل أنه لو كانت هناك ملفات جاهزة وأرقام دقيقة سهلة التناول والعرض، ما كان (حدث ما حدث).. وكنا عرفنا سر الإطاري، لكننا في زمن التسابق لعض اليد والتنكر للماضي من أمثال حميدتي إلى محمد محمد خير وحتى حسن إسماعيل.
0 ومهما يكن من امر.. نسيت الإشارة إلى أن البرهان يوم إفطار كباشي كان يرتدي “صديري شرقاوي”.. أزرق غامق وها هو الآن في الشرق، وأخشى أن يطيب له المقام.

الاربعاء 19 نوفمبر 2025
Osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!