د. مزمل سليمان يكتب: تفكيك وخراب باسم القانون

تتجاوز أزمة لجنة إزالة التمكين مجرد كونها تجربة إدارية فاشلة أو لجنة مثيرة للجدل لتتحول إلى نموذج صارخ لكيف يمكن أن تختطف الدولة تحت لافتات براقة مثل “تفكيك النظام” بينما يجري في الواقع تفكيك سيادة القانون ذاته. فالمعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في أخطاء التطبيق، بل في الفكرة التي قامت عليها اللجنة، والتي منحت سلطة تنفيذية صلاحيات قضائية، في سابقة خطيرة تهدد أسس العدالة.
لقد مارست اللجنة سلطات المصادرة والحجز والفصل من الخدمة دون الالتزام بأبسط قواعد الإجراءات القانونية السليمة، وهو ما يتعارض صراحة مع مبدأ “لا عقوبة إلا بنص ولا إجراء إلا بحكم قضائي”. هذا التجاوز لم يكن مجرد خلل إجرائي، بل شكّل انتهاكًا ممنهجًا لحقوق الأفراد، وأدى إلى تقويض الثقة في مؤسسات الدولة، وخلق حالة من الرعب الوظيفي والاستثماري دفعت بالكفاءات إلى الهجرة، وأضعفت بيئة الأعمال بشكل غير مسبوق.
وإذا كانت بعض الأصوات قد بررت هذه التجاوزات بضرورات المرحلة الانتقالية، فإن هذا التبرير يسقط أمام حقيقة أن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، بل تعني بناء منظومة قانونية عادلة تضمن المحاسبة دون انتهاك الحقوق. وما حدث هو العكس تمامًا، حيث تحولت اللجنة إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية، في غياب الرقابة القضائية الفعالة.
الأخطر من ذلك، أن التقارير الصادرة عن لجنة مراجعة أعمال لجنة إزالة التمكين، والتي ترأسها وكيل وزارة المالية، كشفت عن تجاوزات خطيرة في الأداء، وأكدت وجود قرارات تفتقر للسند القانوني، بل وأشارت ضمنيًا إلى شبهات فساد وسوء استخدام للسلطة. وهذه التقارير، بوصفها وثائق رسمية، تمثل أساسًا قانونيًا كافيًا لفتح تحقيقات جادة، بل وتقديم المسؤولين للمساءلة.
إن عودة الحديث عن استئناف عمل اللجنة تثير تساؤلات مشروعة حول مدى احترام الدولة لقرارات التجميد السابقة، ومدى التزامها بمبدأ سيادة القانون. فكيف يمكن إعادة لجنة ثبتت تجاوزاتها دون محاسبة؟ وكيف يُطلب من المواطنين الثقة في مؤسسات تُعيد إنتاج ذات التجربة التي أضرت بهم؟
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط العدالة، بل يهدد وحدة الدولة نفسها، لأن الشعور بالظلم هو الوقود الحقيقي للانقسامات. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإنشاء آلية مستقلة، سواء كانت محكمة خاصة أو مفوضية عدلية، تتولى مراجعة كل قرارات اللجنة، وإنصاف المتضررين، ومحاسبة كل من تورط في إساءة استخدام السلطة.
ولا يمكن إغفال البعد الدولي في هذه القضية، حيث إن الاستعانة بالخارج في مسائل داخلية تمس السيادة الوطنية يفتح الباب لتدويل العدالة، وهو مسار محفوف بالمخاطر. فالدول لا تُبنى بالاستقواء بالخارج، بل بإرساء مؤسسات قوية وعادلة من الداخل.
في نهاية المطاف، فإن قضية لجنة إزالة التمكين ليست مجرد ملف من ملفات الماضي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة السودان على بناء دولة القانون. فإما أن يتم التعامل مع هذه التجربة بشفافية وشجاعة، عبر المحاسبة والإصلاح، أو أن تظل جرحًا مفتوحًا في جسد الدولة، ينزف ثقةً وعدالةً واستقرارًا.
Muzamilsuliman852@gmail.com




