رأي

د. أسامة العمرى يكتب: السودان.. من أزمات الواقع إلى أفق الذات

 

يقف السودان اليوم عند منعطف مصيري، تتدافع فيه أصداء تاريخ مثقل بالصراعات مع ضبابية حاضر مليء بالتحديات، ويتساءل أبناؤه: أي مصير ينتظرنا؟ وكيف نعبر من هذا النفق الطويل من المعاناة الذي استنزف طاقات الوطن وفرّق أبناءه؟
لطالما ظل السودان أسيراً لحلقات مفرغة من الانهيار وإعادة البناء، وما يحتاجه اليوم ليس مجرد شعارات برّاقة، بل رؤية استراتيجية متكاملة، تجمع بين صدق الفكرة وعمق التحليل وجراءة التنفيذ.
علمت سنوات المحن السوداني أن الحروب لا تُهزم إلا بالسلام، وأن الانقسامات لا تبني أوطانًا. لقد أدرك أن النهوض لا يتحقق بالنيّات الحسنة وحدها، ولا بالاندفاع العاطفي، بل بالتخطيط الواعي الذي يتجاوز اللحظة الراهنة، ليبني على أسس راسخة تتخطى غبار الأزمات.
يحتاج السودان الآن إلى رؤية تجعل الإنسان محورًا لكل قرار، رؤية تضمن له الكرامة في المأكل والمأمن والتعليم والصحة، ثم تفتح أمامه آفاق المشاركة الفاعلة في صنع مصيره وبناء وطنه، فلا يبقى مجرد متلقٍ سلبي للأحداث، بل شريكًا فاعلاً في صياغة مستقبله.
لا يُبنى وطن، ولا يُخطط لمستقبل، تحت دوي الرصاص. السلام ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو الشرط الأساسي لوجود المجتمع واستمراره. إنه البداية التي تعيد الأسر إلى ديارها، وتعيد للإسواق حركتها، وللمدارس دورها، وللأرض عطاءها. سلام لا يكتفي بإسكات المدافع، بل يقتلع جذور النزاع ويحلّلها، ويستبدل الخوف بالعدل، والظلم بالكرامة.
في خضم الأزمات المتفاقمة، ينحصر همّ الإنسان السوداني في تأمين ضروريات البقاء: طعام يقمع الجوع، دواء يخفف الألم، سقف يحمي من العزلة والعنف. في هذا الصراع اليومي القاسي، تضمر الأحلام، ويخبو الأمل، ويغدو الفرد سجين الحاجة الملحة، بلا متسع ليرفع رأسه نحو الأفق.
لكن عندما تستقرّ ضرورات العيش، تنتعش الروح، وتبدأ رحلة التحول من الانشغال بالبقاء إلى التفكير في البناء، من ردّة الفعل على الخطر إلى فاعلية الإبداع، من ضيق الحاجة إلى رحابة الطموح. ومرحلة تحقيق الذات ليست ترفًا، بل هي حجر الزاوية في نهضة الأفراد والمجتمعات. فالإنسان الآمن المستقرّ أكثر قدرة على العطاء والتعاطف والانسجام مع ذاته ومجتمعه، مما يخلق نسيجاً اجتماعياً متماسكاً ومتوازنًا.
وبنهضة الفرد تُبنى نهضة الوطن. لذلك، يجب ألا تتوقف الرؤية الوطنية عند حدود تلبية الحاجات الأساسية، بل أن تعبرها نحو الهدف الأسمى: تحرير طاقات السودانيين وإطلاقها، ليكونوا صنّاع نهضة بلادهم، لا مجرد مشاهدين عاجزين على دوامة أزماتها.
يمتلك السودان مقومات الدولة الكبرى مساحة شاسعة، وموارد مائية، وثروات طبيعية، وقدرة بشرية عظيمة. ومع ذلك، ظلّ اقتصاده يتأرجح بين التقلّص وسوء الإدارة. المطلوب اليوم تحول جذري من اقتصاد قائم على الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد إنتاجي، يرتكز على الزراعة والصناعة والتصدير، ويشجّع الاستثمار النظيف، ويحارب الفساد الذي أنهك كل شيء.
العالم لا يحترم إلا الدول الواثقة التي تحمي مصالحها وتحدد أولوياتها. والسودان قادر على نسج علاقات دولية متوازنة، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، بعيدًا عن منطق التبعية أو الانكفاء. نحتاج إلى دبلوماسية تحمي سيادة القرار الوطني، وتستثمر الفرص، وتستعيد لمكانة السودان الطبيعية تحت الشمس
أعظم خطر يهدد السودان اليوم هو تمزق نسيجه الاجتماعي. حين تتحول الانتماءات الفرعية (القبلية والجهوية) إلى أدوات للصراع والاستبعاد، فإنها تمزّق الوطن إربًا. ولا خلاص إلا بتأصيل مفهوم المواطنة الجامعة، وقيام مشروع مصالحة وطني حقيقي، يجمع الشمل ويعيد بناء الثقة بين أبناء المجتمع الواحد.
يواجه السودان خياراً حاسماً لا ثالث له
إما الاستمرار في الدوران في حلقة ماضي الأزمات وأثقاله، وإما الشروع بثبات وعزيمة في رحلة جديدة،نحو وطنٍ يتحقق فيه الكرامة للإنسان، ويُبنى على الاحترام بين أبنائه، وتستعيد فيه الدولة شرعيتها ودورها في البناء والتقدم.
والبداية لن تكون بمعجزة، بل بإرادة جماعية واعية تعلن هذا وطننا،نستحق الأفضل عليه، ونحن قادرون على كتابة فصل جديد من تاريخنا، يُضيء بالأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!