دبلوماسي النزاعات.. من هو السفير إدريس سعيد وكيل الخارجية الجديد ؟

بروفايل: الشعب
قد تبدو الفرحة في منزل وكيل الناظر الحاج / محمد علي سعيد أحد أعيان ورموز مدينة القضارف مضاعفة.. الأولى بزواج ابنه المهندس اشرف والثانية بتعيين نجله الثاني السفير إدريس وكيلاً لوزارة الخارجية. وربما امتدت هذه الفرحة إلى مدينة القضارف والولاية بأكملها تقديراً للمكانة الاجتماعية للأسرة وما يمثله هذا التعيين من مصدر فخر لأهل الولاية.
أما بالنسبة للسفير إدريس فإن المشهد يبدو مختلفاً فهو دبلوماسي ارتبط بوزارة الخارجية منذ بداياته المهنية وظل مؤمناً بأن بيته الأول هو الوزارة التي تدرج في وظائفها على مدى ما يقارب ثلاثة عقود متنقلاً بين عدد من المحطات المهمة رافضاً اي منصب خارج أسوارها في وقت كان الناس يتصارعون على المواقع حتى بلغ عن جدارة واستحقاق منصب السفير قبل أن يتوج مسيرته بتولي منصب وكيل الوزارة.
للوهلة الأولى قد يظن البعض أن توقيت توليه المنصب ليس سهلاً وهذة حقيقة في ظل التعقيدات السياسية والدبلوماسية التي تمر بها البلاد.. وعدم استقرار وزارة الخارجية خلال السنوات التي أعقبت التغيير في 2019 إذ تعاقب على حقيبة الخارجية ثمانية وزراء من السيدة أسماء محمد عبد الله وحتى محي الدين سالم في معدل غير مسبوق كاد أن يضع السودان ضمن أكثر الدول تغييراً لوزراء الخارجية خلال فترة وجيزة بمعدل تعيين وزير كل عشرة اشهر.
لكن في المقابل فإن إدريس يدخل هذا الموقع مسلحاً بخبرة تراكمية واسعة وتجربة مهنية ثرية. فقد عمل في عدد من أهم المحطات الدبلوماسية المرموقة أبرزها بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، حيث خدم هناك في فترتين الأولى بين عامي 2005 و2009 عقب توقيع اتفاقية نيفاشا وهي مرحلة مهمة في تاريخ السودان الحديث والثانية بين 2014 و2016. وخلال هاتين الفترتين برز اسمه في اللجان السياسية والفنية المعقدة حتى أطلق عليه بعض زملائه لقب (دبلوماسي النزاعات) لما امتلكه من مهارات في التفاوض وإدارة الملفات الحساسة، فضلاً عن نجاحه في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية مع مختلف البعثات والمنظمات.. حيث كان مقرراً لللجنة السادسة ( القانونية ) ممثلا للمجموعة الأفريقية ونائباً لرئيس لجنة الميثاق.. وعمل ممثلاً للسودان فى لجنة مكافحة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التابعة لمنظمة البحيرات العظمي
وتبدو اليوم وزارة الخارجية داخل اروقتها وخارج الحدود في حاجة إلى مثل هذه الخبرات خاصة وأن إدريس يخلف السفير معاوية عثمان خالد أحد أبرز الدبلوماسيين السودانيين وصاحب التجربة الطويلة وكان سفير للسودان لدى واشنطن ما يجعل المهمة مليئة بالتحديات لكنها في الوقت نفسه تتناسب مع خبرة الرجل وقدراته.
ومن المحطات المهمة في مسيرة إدريس أيضاً عمله في سفارة السودان بالعاصمة الرواندية كيغالي بين عامي 2012 و2014، حيث انتقل إليها عقب افتتاحها على يد السفير نصر الدين والي وأسهم بصورة مباشرة في تأسيس عمل السفارة ووضع اللبنات الأولى للعلاقات السودانية الرواندية التي شهدت لاحقاً تطوراً ملحوظاً على مختلف المستويات.
كما شكلت فترة عمله نائباً لرئيس بعثة السودان في القاهرة خلال (2018 إلى 2020) محطة مفصلية في مسيرته. فقد عمل إلى جانب السفير المخضرم عبد المحمود عبد الحليم، أحد أبرز نجوم الدبلوماسية السودانية واكتسب خلال تلك المرحلة خبرات كبيرة في إدارة الملفات الثنائية، قبل أن يتولى مهام القائم بالأعمال بالإنابة عقب مغادرة رئيس البعثة وهو ما قوى حضوره داخل المؤسسة الدبلوماسية.
وبعد العمل في الولايات المتحدة والدول العربية وأفريقيا جاء ادريس الى منصب الوكيل من أوروبا حيث كان يشغل نائب رئيس بعثة السودان بالمانيا الى جانب السفيرة صاحبة الخبرة الهام ابراهيم والتي تولت من قبل منصب الوكيل وشكلا ثنائياً جعل البعثة في برلين من اكثر المحطات الخارجية نشاطاً ودفاعاً عن السودان وجيشه خلال فترة الحرب واسهاما في التبشير بمرحلة اعادة الاعمار والتعافي.
ولم تقتصر شخصية إدريس المهنية على العمل الدبلوماسي وحده بل جمع بين التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية. فقد درس القانون مما وفر له قاعدة معرفية راسخة ثم اتجه إلى الإعلام حيث قدم برنامج (فضاءات دولية) على شاشة التلفزيون القومي مقدماً محتوى اتسم بالاحترافية والوعي والطرح المتزن الأمر الذي أكسبه حضوراً مميزاً وثقافة واسعة في الشأنين السياسي والدولي.
وقد شكل هذا المزج بين القانون والإعلام والدبلوماسية شخصية متكاملة تجمع بين دقة القانون وبلاغة الإعلام وخبرة التفاوض والعمل الخارجي، وهو ما انعكس على أدائه في مختلف المواقع التي تقلدها ومنها ايضاً اشرافه على ملف الايقاد برئاسة الوزارة وجعل اسمه يحظى بالاحترام داخل الأوساط الدبلوماسية السودانية وخارجها.
ويأتي تعيين السفير إدريس سعيد وكيلاً لوزارة الخارجية في مرحلة دقيقة تتطلب الكفاءة والخبرة والقدرة على إعادة الحيوية للمؤسسة الدبلوماسية السودانية وتقوية حضورها الإقليمي والدولي. ومع ما يمتلكه من رصيد مهني وعلاقات واسعة تبدو الآمال كبيرة في أن يسهم في دفع مسيرة الوزارة إلى الأمام مواصلاً خدمة وطنه بالكفاءة والإخلاص اللذين لازماه طوال مسيرته المهنية.



