أسامه عبد الماجد يكتب: أبحث عن عذر لـ (مصر)

0 يحيرني صمت الرئيس البرهان، رغم يقيني العميق بأن “ليس كل ما يعرف يقال”.. أوكما قال رئيس حزب الأمة الراحل الصادق المهدي، حين سُئل عن مشاركته في الحكومة، “الصلاة فيها السر والجهر”.. لكن ما يبعث القلق أن مصر بدأت تجهر بأمر غريب ومريب فحديثها عن ما سمته “ملاذات آمنة” في دارفور، بذريعة حماية المدنيين.. وتحت إدارة محايدة، ليس سوى دعوة مبطنة لتدويل الأزمة.. والتدخل الخارجي وهو ما نبهت إليه في هذه المساحة قبل أيام.
0 صحيح أن بيان الرئاسة المصرية اليوم عقب لقاء البرهان والسيسي خفف الصياغة.. وربط فكرة الملاذات والممرات الإنسانية بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة السودانية.. لكن السؤال الجوهري يظل قائماً، من هي الجهة التي ستدير هذه الملاذات؟.. فهي ليست الجنجويد كما قالوا، وكل دارفور على الأرض تحت سيطرة الاوباش.. المؤسف أن مصر لم تجاملنا حتى بإدانة خجولة، كتلك التي تصدر أحيانًا من مسؤولين أمميين.
0 بل جاء بيانها صريحاً في توصيف مذابح مروعة وانتهاكات سافرة، خاصة في الفاشر.. دون تسمية الجاني، (وِحشة يا ريس).. لم أطرب كذلك للتلميح المصري بالتدخل العسكري وفق اتفاقية الدفاع المشترك، بحجة الخطوط الحمراء.. كما فرح الكثيرين فالرسالة في تقديري موجهة إلى إثيوبيا أكثر من كونها موجهة لمليشيا أولاد دقلو، خصوصاًمع ترويج معلومات عن تدريب جهات إثيوبية لعناصر الجنجويد.. ولأن الحرب تجاوزت كل الخطوط الحمراء منذ زمن.. إلا إذا كانت القاهرة تقصد – لا قدّر الله – وصول المليشيا إلى وادي حلفا.
0 ان الدول “ماولدت السودان وناسياه” كما قال زميل في نقاش اسفيري.. نحن نعلم ذلك ولا نكابر، ورددت عليه أن العلاقات بين الدول ليست “ديوان زكاة”.. كما أن المصالح تحكم المواقف، لكننا نستجلي الموقف المصري من باب المحبة والود و “الملح” الذي بيننا، ومن باب الإشفاق المتبادل.. فأمن مصر من أمن السودان، وأي تهور إسرائيلي تجاهها يمسنا مباشرة.. ومصر مثلنا، تعيش حرباً من نوع آخر، حرباً اقتصادية قاسية، تضخم، ديون، وضغوطاً معيشية.. وتهديدات أمنية حقيقية من محيط مضطرب، في ظل حرب غزة واحتمالات جنون سياسي من ترمب لا يُستبعد معه شيء.. وقد اوشك ان يحدث انفجاراً سكانيا لديهم بتوطين الفلسطينيين.
0 ومع ذلك يبقى الموقف المصري تجاه السودان ضبابياً وان علا صوت وزير خارجيتها.. فهي تعلن دعم مؤسسات الدولة السودانية، وتلوح بفزاعة التقسيم، لكنها في الوقت ذاته تقاتل دبلوماسياً وباستماتة لفرض “الرباعية” ، التي ثبت للسودانيين أن ضلعها المؤثر هو الإمارات.. ولا يخفى على احد أن علاقات القاهرة الاقتصادية بأبوظبي تقيد هامش انفعالها تجاه ما يحدث في السودان.. لكن من حقنا أن نطالب بحد معقول من التوازن.
0 لماذا ؟.. مقابل تعاون أمني رفيع بين البلدين.. ووقوفنا معها في ملف سد النهضة، وفتح حدودنا لصادراتها، واستفادتها الكبيرة من ذهب السودان، خاصة بعد اندلاع الحرب.. والاهم من كل ذلك ان السودان يحول دون تصدير او مرور الارهاب عبر اراضيه لايذاء مصر.. لكنها حرة في تقديراتها.
0 اما نحن المكتوين بالحرب نقول للرئيس البرهان القوة الحقيقية لا تأتي من السلاح ولا من التحالفات.. بل من ثقة الشعب، إن شعر أنك معه، كان درعك الأول والأخير.. لا تراهن على الخارج وتنسى الداخل، كما فعل بشار وبن علي والقذافي.. الدول تحسب مصالحها، أما الشعب فإذا اطمأن لك، حماك بقلوبه قبل أيديه.. التاريخ لا يذكر من كسب دعم الدول، بل من كسب احترام شعبه.. اقترب من الناس، كما يفعل زعيم فنزويلا.. كن صادقاً معهم، الشرعية لا تمنح من الخارج، بل تولد من معاناة الناس وآمالهم. التحالفات تتبدل، والسلطة تزول، لكن موقفك من شعبك هو ما يبقى.
0 ومهما يكن من أمر.. كما إن أبواب الإمارات ليست موصدة. يمكن التحاور معها بلا وسطاء وبشرطين.. تكف أذاها وتدفع فاتورة الإعمار، سراً أو علناً، او عبر شركات ولو مصرية.
الخميس 18 ديسمبر 2025
osaamaaa440@gmail.com




