محمد يرثي والده القيادي الإسلامي عوض بابكر

الفقيد عوض بابكر
عوض بابكر الخالد
ستظل خالد الذكر منذ دفنك حتى بعثك من جديد، لا لشيءٍ إلا لأنك كالنسيم، تدخل بلا استئذان، تُلطّف الأجواء، وتبعث المحبة في قلوب الجميع، ثم تنسحب بلا أي ضجيج. حتى موتك، يا أبتاه، كان صامتًا بلا صوت.
ما المغزى من هذا الفعل؟ لماذا حين انسحابك لا تُصدر صوتًا؟ الأصوات جميلة يا “بابا”، فلماذا تتجنبها؟ أهناك سرٌّ ما؟
أظن ذلك، إذ أنك منظم حتى في أفكارك، لا تفعل شيئًا عبثًا أو دون قصد، فدائمًا ما كانت تحركاتك وكلماتك وكل أفعالك تحمل دلالاتٍ لم أكن أفهمها، ثم مع تقدُّم سني، بدأتُ أفهمها شيئًا فشيئًا.
الميراث الذي لا يُوزَّع
حين علمتُ بخبر الوفاة، وأنا في طريقي إلى مدينة عطبرة، أحسستُ بتوقف عقارب الساعة ، فتناسيًا لهذا الشعور، اتجهتُ إلى مواقع التواصل الاجتماعي علّها تُنسيني تثاقل الوقت. دخلتُ “فيسبوك”، فأحسستُ أن كل العالم يعرفك!
نقّبتُ في المنشورات لعلّي أجد رأيًا مخالفًا، لأرى جانبًا آخر منك، لكني لم أجد. فقد أجمع الناس على زهدك، وعفّتك، واحترامك، وإخلاصك، ووفائك. قلّما تجد هذا الاتفاق في شخصٍ يراه عوام الناس عاديًا وبسيطًا، وربما “لا يعرف شيئًا” كما يظن البعض. وسبب ذلك هو تضامنك مع البسطاء وعوام الناس، حتى صرت تُشبههم.
فكل هذه السيرة، وهذا التاريخ المجيد، هو ميراث، لكنه لا يُقسّم.
“ما كنتُ أحسب قبل دفنك في الثرى
أن الكواكب في التراب تُغور”
رحلتَ عفيف النفس، عفيف اللسان، شاهِرًا بسمتك لمحبيك ولغيرهم، مترفّعًا عن صغائر الأمور، مسرعًا إلى حل المشاكل، صغيرها وكبيرها. لا لشيء، بل لأنك كنتَ تجد لذة في مساعدة الآخرين، لذة يفتقدها أولئك الذين سهو عن التفاصيل.
أما أنت، فكنت عاشقًا للتفاصيل حد الهوس.
كنتَ تستنبط منها المعضلات الاجتماعية وتطرح رؤىً وحلولًا لحلّها. زاهدًا في دنياك، لا تُعطي للمال والماديات قيمة تُذكر. كما قلتَ في تسجيلٍ نُشر عقب وفاتك: “أنفِقْ ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب.”
كنت تُحب الخير للناس، وتحزن للأطفال الذين لم ينالوا حقهم في التعليم – وهم كُثُر. وتُسارع في مشروع الأضحية حتى تكاد تنسى شراء أضحيتك.
وقد حوّلتك هذه الحساسية العالية تجاه الآخرين إلى إنسان لا يهدأ، فلا تطيق المكوث في البيت خمس ساعات متواصلة.
كنت تهيم في ولايات السودان، مع المنظمات، لموازنة تقصير السلطة الحاكمة وتهميشها لتلك المناطق، فكنتَ تضع خططًا نسبية تعتمد على نواقص كل منطقة.
مشاكل العامة كانت محور اهتمامك، حتى إنك كثيرًا ما كنت تتنازل عن حقك الشخصي لصالح الحق العام.
هذا ما أجمع عليه الناس، بل وأكثر.
لكنّي لا أراك كما يراك الناس فقط ؛ بل أراك أشمل من ذلك بكثير
أنت قدوتي، وصديقي، وحبيبي، ووالدي.
أراك معينًا لا ينضب، ظللتُ أستقي منه الحكم والعِبر، وأنت لا تدري.
كنتُ أتعلم منك بالنظر فأنا أركز على التفاصيل أيضا
كما يُقال: “جنى الوز عوام”.
وحتى في مراهقتي الصعبة، تعاملتَ معي بمرونة تُدهش العقل.
لو كنتَ تعاملتَ معي بغير ذلك حينها ، لكنتُ الآن تائهًا.
كنتَ ترخي الحبل تارة، وتشده أخرى، حتى استويتُ على ما أنا عليه.
وجدتُ فيك معاني الأبوة، والصداقة، والحب، وكنتَ لنا – أنا وإخوتي – أبًا وأمًّا، منذ أن سلّمتَ والدتي أمرها لله في زمن عسير.
تنازلتَ عن كل حقوقك لتكون حاضرًا لأجلنا، ولم تدع مجالًا للشك في إخلاصك.
كنتَ خير أب، وخير أم بديلة، وخير صديق، وخير قدوة.
ومع ذلك، أعود لأنتقدك في انسحابك الهادئ ذاك.
لم يتطلب الأمر منك سوى تنفس الصبح، حتى تسلّلتْ روحك كنسيم الشتاء إلى بارئها، في وقت صلاة الفجر.
كنتَ تعلم ببعدي عنك آنذاك، فلماذا طلبتَ مني عدم القدوم إلى عطبرة، وطلبتَ مني التركيز على المذاكرة؟
كيف لي أن أركّز، وروحي في بلد غير تلك التي يقطنها جسدي؟
حتى في أشد لحظات مرضك، حين علمتَ أني أتصل لأطمئن، لم تُخبرني عن حالك، بل اكتفيتَ بسؤالك المعهود:
“محتاج حاجة للقراية؟”
نعم، يا أبتاه، كنتُ أحتاج أن أراك، ولو للحظة، لتسمو روحي بجسدي، وأكون بتمام العافية.
أحتاج نقاشًا حادًّا بيني وبينك في السياسة، نختلف فيه ثم نضحك بعد ذلك.
أحتاجك لتراجع إحدى نصوصي الرديئة، لأسمع منك إطراءك المعتاد بأني كاتب متميز، فأعيش حالة التوهم تلك.
أحتاجك لنتناقش حول علم الاجتماع، لا، بل حول التاريخ، فنحلل الأخطاء ونبتكر الحلول.
أحتاجك كي أرمي عليك جراحي ويأسي وحزني حين قدومها، فتضمدني بكلمة واحدة، أصير بعدها متعافًى تمامًا.
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
ربنا يرحمك يا حبيبي
عوض بابكر




