سفير السودان أمام الأدباء الأردنيين يكشف آثار الحرب على الثقافة والتراث


عمان: الشعب
قدم سفير السودان لدى المملكة الأردنية حسن صالح سوار الذهب، قراءة عميقة للأثر الذي خلفته الحرب على المشهد الثقافي السوداني، مستعرضاً ثلاثة مسارات بدت كأنها جروح راسخة في جسد الوطن.
وأوضح السفير في ندوة نظمها اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين في العاصمة عمان أن حرب أبريل 2023 لم تكن مجرد صراع مسلح، بل شكلت هجوماً مباشراً على ذاكرة السودانيين وتراثهم الممتد عبر آلاف السنين. فقد تعرض المتحف القومي لعمليات نهب هي الأوسع في تاريخ البلاد، سُرقت خلالها قطع كوشية ومروية نادرة، وتعرّض أكثر من مئة ألف أثر للتدمير والتهريب. كما طالت الاعتداءات متاحف بيت الخليفة والفاشر، والمواقع المسجّلة في قائمة اليونسكو مثل النقعة والمصورات. ولم يسلم الأرشيف الوطني ولا مكتبة السودان بجامعة الخرطوم من التخريب، في محاولة لطمس شريان الذاكرة الوطنية.
وانتقل السفير إلى الجرح الثاني الأكثر إيلاماً، ذلك الذي أصاب النفس قبل الحجر. وقال ان الحرب زعزعت منظومة القيم التي شكّلت الشخصية السودانية زمناً طويلاً، مثل التسامح والتعايش والألفة. إذ تأججت العصبيات القبلية، وتحوّلت رموز ثقافية كانت تؤدي دوراً إصلاحياً – كالحكّامة والهدّاي – إلى أدوات تعبئة وتحريض تُسيّرها الميليشيات. وتفاقمت الاضطرابات النفسية وفقدت المجتمعات إحساسها بالأمان. توقفت الجامعات والمدارس، وتحول بعضها إلى ثكنات عسكرية، وكأن الزمن تجمّد عند لحظة لم يرغب أحد في استمرارها.
واشار السفير الى الجُرح الثالث وقال رغم اتساع الخراب، تؤكد التجربة السودانية أن الجمال قادر على الصمود. فقد نهض الفن ليكون خط الدفاع الأخير الرسامون وثّقوا الألم على لوحاتهم، والأدباء في المنافي كتبوا تفاصيل الأيام التي نجت من الرصاص، والموسيقى ارتفعت فوق ضجيج البنادق لتعيد التذكير بالوطن. بدا وكأن الإبداع السوداني كله اتحد لحماية الروح حين عجزت السياسة وفشلت القوة.
بهذه المحاور الثلاثة، رسم السفير سوار الذهب صورة وطن يقاوم الفناء؛ قُطعت عنه الكهرباء والماء، لكنه تمسّك بقصته. فذاكرته تتعرض للمحو، وروحه تُستنزف، لكن ثقافته ما تزال واقفة، ترفع رأسها في وجه الخراب وتعلن أنها آخر ما يمكن أن يُهزم.




