رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: ماوراء حديث هارون

 

0 ربما لا تكون الإشارة إلى رئيس المؤتمر الوطني المفوض مولانا أحمد هارون.. هي القضية الأهم فليس من الضروري أن أعرّف القارئ بالرجل.. ويكفي أنه صاحب تجربة سياسية وتنفيذية ارتبطت بمشروع ولائي واسع.. استطاع أن يحشد حوله قطاعات كبيرة من السودانيين وأن يصنع حالة من الالتفاف الشعبي نادراً ما شهدت البلاد مثيلاً لها منذ الاستقلال.. تحت الشعار الذي ظل يتردد (موية طريق مستشفى.. والنهضة خيار الشعب)
0 لكن الأهم من الحديث عن الرجل نفسه.. هو الوقوف عند القضايا التي أثارها في حواره مع (بودكاست) وما حمله حديثه من رسائل سياسية تستحق التأمل والنقاش.. وضع هارون حماية الدولة ومؤسساتها في مقدمة الأولويات.. معتبراً أن الظروف الحالية تفرض تجاوز الخلافات السياسية والحزبية ومواجهة التحديات التي تهدد البلاد.. وهذا الطرح يعيد النقاش إلى سؤال حول كيفية الاتفاق على حماية البلاد.. دون أن يتحول هذا الاتفاق إلى تجاوز للخلافات السياسية المشروعة أو تأجيل لقضايا الحكم والمشاركة السياسية.
0 ومن أكثر النقاط التي استوقفتني حديث هارون عن العلاقة مع الرئيس البرهان.. نافياً بشدة وجود علاقة تنظيمية أو عضوية بين الطرفين.. واستخدم تعبير (الحبل السري) لنفي وجود ارتباط خفي.. مؤكداً أن العلاقة الحالية فرضتها الظروف الوطنية ومعركة الميدان.. واستند في تفسير موقف الحزب إلى أن البرهان يمثل رئيس الدولة وقائد القوات المسلحة.. وأن الأولوية الآن هي مواجهة ما تتعرض له البلاد من عدوان
0 لم يكن هارون بحاجة إلى بذل أي جهد لنفي وجود علاقة بين البرهان والإسلاميين.. فمواقف الأول تجاه الرئيس البشير تتحدث عن نفسها.. فقد رفض البرهان مراراً الاستجابة للمطالبات بالسماح للبشير الذي تجاوز الثمانين من عمره.. ويعاني من ظروف صحية تستدعي السفر والعلاج بالخارج.. ورغم وجود دعوة مفتوحة من أمير قطر السابق الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لاستضافته.. ورغم تدخل رئيس دولة إسلامية كبرى للوساطة فإن كل محاولات إقناع البرهان باءت بالفشل.
0 كذلك فإن ما تعرضت له السيدة وداد بابكر من ملاحقات وصلت إلى حد التدقيق في ممتلكاتها.. ومصادرة أساور ذهبية محدودة تكاد تكون عند معظم نساء السودان – قبل عهد الشفشافة – وكأنه يستهدف إذلالها والإساءة إلى الرئيس البشير.. يمثل شاهداً آخر على طبيعة العلاقة بين البرهان والإسلاميين..
وهناك شواهد أخرى كثيرة منها ما تعرض له الإسلاميون على يد اللجنة – سيئة الذكر – إزالة التمكين وما صاحب ذلك من ملاحقات وانتهاكات.
0 فضلا عن تقليل دور كتائب البراء والإصرار على وصف أفرادها بالمستنفرين.. بدلا من المجاهدين رغم أنهم شاركوا في القتال بإرادتهم.. كل هذه المواقف والشواهد تؤكد من وجهة نظري.. أن العلاقة بين البرهان والإسلاميين ليست كما يحاول البعض تصويرها.. واتمنى ان لا يتأثر البرهان بردة فعل القحاتة واذيالهم.. وقد بدأوا في الصراخ بسبب ظهور هارون.
0 ان السؤال المركب الذي ينبغي ان يتحسب له مولانا هارون هل يظل التقارب مع المؤسسة العسكرية مرتبطاً بظروف المعركة.. أم ستكون له انعكاسات على شكل المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب؟ لإن التمييز بين مساندة الجيش في الحرب وبين طبيعة العلاقة السياسية بعد توقفها.. يظل أمراً مهماً في أي حديث عن مستقبل البلاد.
0 ومن القضايا التي تستحق النقاش هى جمع هارون في حديثه عن الحرب بين موقف واضح من مليشيا الدعم السريع الارهابية.. برفض التعايش معها والدعوة إلى انتهاء الحرب باستسلام عناصرها.. وبين الإقرار بأن الحروب لا تنتهي من تلقاء نفسها وأن التفاوض جزء من طرق إنهائها.. اذ كيف يمكن الجمع بين خيار الحسم العسكري والدخول في مفاوضات لإنهاء الحرب؟ لا سيما وان هارون يرى أن التفاوض لا ينفصل عن موازين القوى على الأرض.. وأنه ليس مجرد (طق حنك) كما قال .. وهي إشارة إلى أن أي عملية تفاوضية من وجهة نظره يجب تتم لكن تستند إلى واقع الميدان.
0 من الرسائل المهمة في حديث هارون رفضه احتكار النخب للحقيقة.. أو انفراد جهة بعينها بتقرير مصير البلاد.. ودعوته إلى حوار وطني شامل يبدأ من الفرقان والأحياء وصولاً إلى المستوى القومي.. دون إقصاء أو استثناء. وهي دعوة تختلف عن نهج قحت وواجهاتها التي تتحدث عن الحوار.. ثم تستثني المؤتمر الوطني.. وكأن هارون يهيئ قواعد حزبه والسودانيين لقبول القحاتة.
0 لكن بعيداً عن الفرحة بظهور هارون وسط قواعد حزبه.. وغالبية الشعب السوداني الذي لسان حاله (أي كوز نبوسو بوس).. يظل مستقبل المؤتمر الوطني هو الملف الأكثر تعقيداً في حديث الرجل.. فبصفته رئيساً مفوضاً للحزب لا يقتصر التحدي أمامه على توضيح موقفهم من الحرب والبرهان.. لكن يمتد إلى الإجابة عن أسئلة مهمة تتعلق بمستقبل الحزب وقيادته.. وترتيب مؤسساته وتوحيد صفوفه ومراجعة تجربته السابقة.. وتحديد موقعه في المشهد السياسي القادم.. قبل أن يسارع الانتهازيون والانتهازيات من قياداته السابقة إلى العودة وحجز مقاعدهم في الصفوف الأمامية من جديد.
0 وكذلك يجب التأكيد أن المؤتمر الوطني مستعداً لمراجعات حقيقية.. تتجاوز الدفاع عن تجربة الإنقاذ.. إلى قراءة ما تحقق وما أخفق والاستفادة من دروس التجربة.. لأن استعادة المواقف القديمة وحدها لا تكفي.. والراهن يتطلب القدرة على تقديم إجابات جديدة لقضايا تغيرت ظروفها وتعقدت تحدياتها.. ولا أحد ينكر ما حققته الانقاذ ولكن يجب عدم تجاهل الاخفافات.. وطبيعة التحولات التي شهدها المجتمع السوداني خلال السنوات الماضية.. ومنها مدى تأثير الإعلام والمنصات الرقمية في تشكيل المواقف السياسية خصوصاً وسط الشباب.. وخير مثال ظهور هارون على بودكاست.
0 لذلك يبقى التحدي الأكبر أمام المؤتمر الوطني وقيادته.. تقديم مشروع سياسي متطور وواضح لمرحلة ما بعد الحرب.. يحمل رؤية للمستقبل تستوعب دروس الماضي وتعقيدات الحاضر وتتجاوز الدفاع عن التجربة السابقة وتفسير مواقف المرحلة الراهنة.
0 ومهما يكن من أمر.. وأنا أكتب هذه المادة من صف الوقود بالخرطوم.. فإن هارون يستحق أن يكون في موقع كامل إدريس.. (وارفعوا المقاس) لتعرفوا شعبية كل منهما.

السبت 7 نوفمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!