أسامه عبد الماجد يكتب: إدريس ووضع المتاريس!

0 لم أشهد حكومة بهذا القدر من الضعف والتردد وتخشى حتى ظلها في اتخاذ القرار كما هي الحكومة اليوم.. فحالة التخبط والعشوائية وما يصاحبها من تراجع متكرر عن القرارات أصبح أمراً يثير الاستغراب والريبة.. ولم يعد الأمر يقتصر على إصدار القرارات ثم إنكارها.. بل تجاوز ذلك إلى التراجع عنها من دون مبررات واضحة.
0 وقبل حفل تدشين شركة العسجد بمناسبة حصولها على رخصة تشغيل المحول وإدارة المعاملات البنكية.. كنت قد كتبت في هذه الزاوية محذراً من هذه الخطوة.. ووصفت الرخصة بأنها غامضة لا سيما أنها صدرت من البنك المركزي على حساب شركة بنك السودان.. التي تتولى إدارة المحول الخاص بمعاملات البنوك..
واليوم يعود المركزي ليعلن اتجاهه إلى إلغاء تلك الرخصة.. لكنه لم يقدم حتى الآن إجابة واضحة عن السؤال الذي طرحناه منذ البداية كيف ولماذا منحت شركة العسجد رخصة تشغيل الخدمات البنكية أساساً ؟.
0 وفي اتجاه آخر أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس القرار رقم (140) بتاريخ 30 يونيو (الثلاثاء الماضي).. والقاضي بتعيين السفير إدريس محمد سعيد وكيلاً للخارجية.. غير أن القرار انضم إلى قائمة القرارات التي تصدر ثم تختفي.. فلا نشرت ولا وجدت طريقها إلى التنفيذ.. وقد نشرنا في (الشعب) أمس نص القرار بعد حصولنا على نسخة منه.. ليفاجأ الرأي العام ببيان صادر عن المكتب الصحفي بوزارة الثقافة والإعلام.. وهي جهة ليست صاحبة الاختصاص في مثل هذه القرارات.. ينفي فيه صدور قرار بتعيين وكيل جديد للخارجية.
0 لم يكتف البيان بالنفي بل ذهب إلى التأكيد بأن الخبر لا أساس له من الصحة.. وأنه لم يصدر أي قرار بهذا الشأن.. فمن المسؤول عن هذا التناقض؟.. وهل أصبحت القرارات الحكومية نفسها محل أخذ ورد بين مؤسسات الدولة؟.. إن ما جرى يكشف خللاً في الحكومة.. ويضع مؤسسات الدولة أمام أزمة مصداقية لا يمكن تجاوزها بالبيانات المتناقضة أو النفي المجرد.. فالدولة التي تختلف مؤسساتها حول وجود قرار من عدمه.. تفتح الباب أمام الشائعات أكثر مما تغلقه.. وتمنح الرأي العام سبباً إضافياً للتشكيك في كل قرار حكومي.
0 في تقديري ما كانت الجهة التي أوعزت لوزارة الإعلام بإصدار ذلك النفي.. بتلك الصيغة التي أساءت إلى هيبة الدولة ورئيس الوزراء شخصياً لتقدم على هذه الخطوة لولا ثقتها التامة بأن كامل إدريس لن يحرك ساكناً.. وأنه لا توجد جهة تحاسب أو تراقب وهذا يعكس بصورة واضحة غياب المؤسسات وآليات المساءلة، فضلًا عن عدم الاكتراث للتهريج الذي خلفه هذا التخبط الصادر عن جهة أو جهات اختبأت خلف وزارة الإعلام.
0 ان الخارجية وزارة سيادية ومن المرجح أن السفارات المعتمدة لدى السودان.. وكذلك غير المقيمة في القاهرة وأديس أبابا قد رفعت تقارير بشأن حالة الارتباك التي صاحبت إعلان تعيين وكيل للخارجية.. وربما تكون بعض البعثات الدبلوماسية التي كانت تدرس العودة إلى الخرطوم.. قد أعادت النظر في توقيت هذه الخطوة أو قررت تأجيلها في ضوء ما حدث.
0 لو كانت الحكومة تمتلك الحد الأدنى من الجرأة السياسية.. لما ترددت في إصدار قرار بإلغاء تعيين السفير إدريس.. قبل أن يصبح القرار نافذاً.. فالسوابق تؤكد أن التراجع عن قرارات التعيين ليس مستحيلًا ولا سابقةً في تاريخ السودان..ففي مطلع 2013 أصدر الرئيس عمر البشير قراراً بتعيين د. محمد الفتح بيك أميناً عاماً لديوان الضرائب.. ثم عاد بعد (24) ساعة وألغى القرار بآخر.. ان المشكلة ليست في شخص إدريس فهو من الشخصيات التي تُشرف المناصب ولا تتشرف بها.. لكن أس الأزمة يكمن في مراكز القوى التي تعمل بعيداً عن الأضواء.. وتحرك خيوط المشهد بما يخدم مصالحها الضيقة وقد تمددت داخل مؤسسات الدولة حتى أصبحت أشبه بورم يلتهم مواردها ويعطل قدرتها على اتخاذ القرار الوطني المستقل.
0 أختلف إلى حد ما مع التبريرات التي تستحضر في مثل هذه الحالات.. والتي تستند إلى حديث عضو مجلس السيادة ياسر العطا.. بشأن تسلل الجنجويد والقحاتة إلى مفاصل الدولة ومؤسساتها الحيوية وتعطيل عملها.. فثمة فئة ثالثة لا يقل تأثيرها تجمعها شبكة من المصالح المشتركة.. وقد تضم أفراداً من المجموعتين اللتين أشار إليهما العطا.. كما قد تضم آخرين من خارجهما.. سواء كانوا مدنيين أو عسكريين.. وفي النهاية تبقى المصالح هي الرابط الحقيقي الذي يجمع بينهم حتى وإن اختلفت توجهاتهم السياسية أو الفكرية.
0 هذه الظاهرة تبدو واضحة عند النظر إلى حركة تنقلات السفراء والتمديد لبعضهم.. وكذلك في عمليات نقل بعض الدبلوماسيين والإداريين.. إذ نجد سفيراً قد تمتد خدمته إلى نحو ثلاثين عاماً أو أكثر دون أن يتولى رئاسة بعثة.. في حين يتم نقل آخرين بين عدة محطات.. بينما يقضي ثالث فترات طويلة في الخارج قد تتجاوز عشرين عاماً.. مقابل آخرين لا تتعدى جملة مدة ابتعاثهم خمس أو ست سنوات.
0 كما يلاحظ أن بعض السفراء يختارون سفارات ذات حضور سوداني محدود وعلاقات عادية أو فاترة “ينوموا على الخط”.. وينسحب هذا النهج كذلك ببروز رجال اعمال خلال السنوات الست الأخيرة حققوا أموالا طائلة رغم أن خلفياتهم معروفة.. أيضاً ظهرت تعيينات لشخصيات تفتقر إلى الخبرة أو السيرة المهنية الواضحة ووراء هذه الحالات مجموعات تتحرك في الظلام.
0 تواجه الدولة اليوم تحدياً يتمثل في تنامي نفوذ تلك المجموعات الخفية التي تتمدد داخل المؤسسات.. مستفيدة من شبكات المصالح والعلاقات والنفوذ الإداري ولا تعمل هذه المجموعات بصفتها مؤسسات قانونية.. بل تؤثر في صناعة القرار من خلف الكواليس.. وتسعى إلى توجيه السياسات والقرارات بما يخدم مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة.
0 أن استمرار هذا النوع من النفوذ سيؤدي لانهيار الدولة.. إذ تصبح بعض القرارات رهينة لمراكز قوى غير خاضعة للمحاسبة.. يجب الحد من هذه الظاهرة بترسيخ سيادة القانون.. ومحاربة كل تحركاتها المشبوهة لأجل ضمان استقلالية المؤسسات وفرض رقابة من جانب الصحافة على الحكومة.
0 ومهما يكن من أمر.. تكمن خطورة الموقف في أن البلاد تمر بظرف حرب.. بينما هناك من يسعى لجمع المغانم.. كما كتب المستشار الصحفي السابق لرئيس الوزراء الحبيب ابوحباب – محمد عبد القادر – وهو ايضاً مثل السفير ادريس ضحية لمجموعات الظل.
السبت 4 يوليو 2026
osaamaaa440@gmail.com



