أسامه عبد الماجد يكتب: لا.. يا وزير المالية !!

0 منذ سقوط الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور في قبضة المليشيا.. لاحظت تغير واضح في مظهر وزير المالية رئيس حركة العدل والمساواة، د. جبريل إبراهيم.. حيث أصبح يظهر بالزي العسكري معتمراً “الكدمول”.. في إشارة بدت وكأنه قطع عهداً على نفسه ألا يخلع “الميري” إلا بعد استعادة المدينة.. لا شك ان هذا الموقف يعتبر رسالة رمزية ذات بعد معنوي تعبر عن ارتباطه بقضية الفاشر.. وهو موقف يحظى بتقدير واحترام خاصة وأن الفاشر تمثل رمزية وطنية ذات مكانة راسخة في وجدان السودانيين.. فالمدينة ذات ثقل تاريخي وسياسي كبيرين وقد لفت صمودها أنظار العالم.. وأصبح السودانيون يتابعون أخبارها بالدعاء من أجل ثباتها ورفع الحصار عنها.. ومن هذا المنطلق يفهم موقف جبريل باعتباره تعبيراً عن تضامن رمزي مع مدينة تمثل جزءاً مهماً من ولايته.
0 لكن في المقابل فإن إدارة الدولة لا تدار بالعواطف والانتماءات الجهوية وحدها.. وانما تتطلب وضوحا في الأدوار وتوازناً بين الرسائل المعنوية ومدى الالتزام بالمسؤولية التنفيذية.. سقت هذة المقدمة لنطرح سؤالاً هل الموقع الذي يجب أن يكون فيه جبريل اليوم هو ميدان الزي العسكري أم مكتب المالية الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخ السودان؟
0 لا خلاف على أن سقوط الفاشر أحدث جرحاً غائراً في وجدان السودانيين جميعاً لما تمثله المدينة من رمزية وصمود وتاريخ.. غير أن الوجع لا يقف عند حدود الفاشر فالطينة عندنا مثل ود النورة.. وكرنوي مثل الهلالية وأمبرو مثل الجنينة التي شهدت مذبحة وتطهير عرقي لأهلنا المساليت.. كل مدينة سودانية نزفت هي جرح في جسد الوطن وكل شبر فقدناه هو خسارة وطنية لا تقل عن الأخرى.. كلها جبهات وطنية متساوية في المعنى والوجع.
0 إن اختزال جبريل للرمزية الوطنية في مدينة واحدةة يبعث برسائل سالبة.. لأن المطلوب اليوم خطاب وطني جامع.. يؤكد أن كل شبر في السودان له نفس المكانة وأن معركة الدولة هي معركة كل المدن دون استثناء.. وإذا كانت الفاشر ستعود – وهي حتماً ستعود بإذن الله – فإن من أهم عوامل عودتها أن يتفرغ كل مسؤول لموقعه الطبيعي في معركة استعادة الدولة.
0 وهنا يتجلى دور جبريل الحقيقي بعيداً عن ارتداء الكاكي في إدارة وزارة المالية بكفاءة.. وقيادة معركة الاقتصاد التي لا تقل أهمية عن معركة الميدان.. إن وزير المالية في مثل هذه المرحلة مطالب بأن يظهر في المحافل الدولية وأمام الوفود الأجنبية والشركاء الدوليين بهيئة رجل الدولة المسؤول عن الاقتصاد.. لا بهيئة قائد ميداني فالمظهر في العلاقات الدولية يتجاوز المسائل الشكلية.. وهو جزء من الرسائل السياسية والاقتصادية التي تقرأ بعناية خاصة لدى المؤسسات والدول الغربية
0 التقى جبريل قبل أيام مرتدياً زيه العسكري وبحضور وزير الخارجية محي الدين سالم.. نائب المدير التنفيذي ومدير العمليات ببرنامج الغذاء العالمي والوفد المرافق له.. وقد حمل هذا المشهد رسائل سلبية إلى الأطراف الخارجية في وقت يحتاج فيه السودان إلى بث الثقة بدل إثارة المزيد من القلق.. أن هذا الانطباع قد لا يخفى على الدوائر الغربية خاصة فيما يتعلق برسائل السلام وصورة الدولة المدنية.. حيث يعتبر حضور الواجهات المدنية مؤشراً مهماً على جدية التوجه نحو الحكم المدني.. وكان من المتوقع أن يظهر بلباس رسمي مدني كبدلة وربطة عنق.. بما يعكس رسالة استقرار وقدرة على إدارة الملفات الكبرى بصورة أكثر طمأنة.
0 وإذا انتقلنا إلى الأداء الاقتصادي نفسه نجد أن التوقعات الكبيرة التي صاحبت تولي جبريل لوزارة المالية لم تتحقق بالشكل المأمول.. رغم ما يمتلكه الرجل من تأهيل أكاديمي وخبرة سياسية واسعة ومعرفة بالسوق والمال.. لا تتوفر لدى اي مسؤول بالحكومة.. كان المنتظر أن يقود جبريل حراكاً اقتصادياً خارجياً واسعاً لكنه استسلم للعقوبات الأمريكية المفروضة عليه شخصياً وكنا ننتظر أن يبحث عن منافذ جديدة للتمويل والشراكات كما يفعل مسؤولون آخرون في الدولة.. نجحوا في كسر كثير من العزلة والعقوبات مثل الرئيس البرهان ومساعد القائد العام للجيش ميرغني ادريس بالحراك المستمر والانفتاح الخارجي.
0 بلا شك يعتبر جبريل من أكثر المسؤولين في الحكومة تأهيلاً وخبرة – كما اسلفت – لكن هذه الإمكانات لم تنعكس بعد بالصورة المطلوبة على الأداء الاقتصادي.. فلا نرى ان هناك رؤية واضحة لوزارة المالية بل تبدو السياسات في كثير من الأحيان أقرب إلى ردود الأفعال.. مثل زيادة الرسوم الجمركية بصورة متكررة وكأن الحلول انحصرت في مزيد من الأعباء على المواطن والتاجر.. رفع الرسوم سبيل العاجزين كلما ضاقت الموارد.
0 الحل كما قلت لجبريل في لقاء تفاكري خاص قبل الحرب بالخرطوم في توسيع المظلة الضريبية.. وتفعيل التحصيل الالكتروني وتقليل الرسوم الجمركية في مقابل تشديد الرقابة على البضائع الواردة وإحكام السيطرة على منافذ التهريب حتى في الموانئ.. وإغلاق أبواب الإعفاءات غير المنضبطة التي أصبحت باباً لتجارة واسعة في بورتسودان تطالها اتهامات متعددة بعضها يمتد حتى إلى منسوبين الى حركته – العدل والمساواة –
0 في هذه المرحلة يفترض بجبريل أن يطرح أفكار ومشروعات مبتكرة.. وألا يكرر نهج سلفه الركابي الذي استسلم للواقع حين صرح أمام البرلمان بانسداد أفق الحكومة في الحصول على تمويل خارجي قائلاً: (أي زول قال عاوز يدينا تمويل ولو بالكذب جلسنا معاه) !!.. ورغم التداعيات السلبية للحرب ضد إيران لا تزال هناك فرص يمكن استكشافها.. سواء من خلال الشراكات الاستثمارية أو التمويل الثنائي أو عبر جذب رؤوس الأموال الوطنية في الخارج.. والأخيرة بالمساهمة في توفير الكهرباء للمناطق الصناعية.. وتقديم تسهيلات مع الجهات ذات الصلة في مجال الاستثمار.. بالمناسبة هل لا تزال السيدة احلام مدني اميناً عاماً للجهاز القومي للاستثمار.
0 لقد كانت الحرب – رغم مآسيها – فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني من خلال تطوير الموانئ والمطارات.. والدخول في شراكات كبرى في الزراعة والمحاصيل والبنية التحتية.. لكن هذه الفرصة لم يستثمرها جبريل كما ينبغي ولا أدري لماذا ؟.. البلاد تحتاج اليوم إلى إدارة اقتصادية جريئة تبتكر الحلول وتفتح الأبواب المغلقة.. وتعيد الثقة في مؤسسات الدولة وتحتاج إلى مسؤول يصنع حلولاً اقتصادية تساند جبهات القتال وتمنح الدولة القدرة على الصمود.. وعلى جبريل أن يعود إلى موقعه الطبيعي قائداً لمعركة الاقتصاد لا رمزاً لمعركة ولايته وعشيرته.
0 ومهما يكن من أمر.. من بين الحلول التي نقترحها لجبريل أن يتواصل مع وزير المالية الأسبق مجدي حسن يس.. صاحب مبادرة الدبلوماسية الاقتصادية.. ليتعرف على تجربته في جمع سفراء السودان بالخارج في إحدى العواصم الأوروبية.
الجمعة 17 ابريل 2026
osaamaaa440@gmail.com




