رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: صراعات الحج والعمرة

 

0 يبدو أن الحكومة تعيد المشهد نفسه كلما تجدد الخلاف داخل وزارة الشؤون الدينية.. والمجلس الأعلى للحج والعمرة وتبدأ الخلافات بالتصاعد وتتبادل الأطراف الاتهامات.. ثم تتعطل أعمال المؤسسات لتنتهي الأمور بإعفاء مسؤول أو إنهاء تكليف آخر.. قبل أن تبدأ رحلة البحث عن أسماء جديدة لتولي هذه المناصب.. وكانت آخر حلقات هذا المسلسل قرار رئيس الوزراء كامل إدريس بإعفاء وزير الشؤون الدينية والأوقاف بشير هارون وإنهاء تكليف الأمين العام للحج والعمرة عمر مصطفى.
0 في تقديري المشكلة أعمق من الأشخاص وتتمثل في صراع النفوذ وتداخل الاختصاصات.. وضعف إدارة ملف الحج والعمرة.. وكل ذلك يرتبط بالمال وهو الجانب المسكوت عنه في هذا الملف.. فالحج والعمرة يدران أموالاً طائلة وغير مرئية.. ويكفي أن المجلس لا يتلقى جنيهاً من وزارة المالية ويدير شؤونه من عائداته.. وهذا في حد ذاته قد يكون مدخلاً للفساد.
0 إذا اكتفت الحكومة بتغيير الوجوه فإنها تكرر أخطاء الإنقاذ التي ظلت تعالج أزمات المؤسسات بالإعفاءات والتعيينات.. بينما تبقى أسباب الصراع موجودة داخل المؤسسة نفسها.. وتصبح المشكلة أكبر إذا أعادت تكرار اسماء داخل مجلس الحج والعمرة حالياً او سابقاً.. لأنهم جزءاً من الأزمة في صورتها العامة.
0 ما يحدث اليوم ليس جديداً فقد شهدت السنوات السابقة خلافات متكررة بين الوزراء وأمناء الحج والعمرة.. كما دخل البرلمان والأجهزة الرقابية ووكالات السفر والسياحة في أوقات مختلفة على خط الأزمة.. وتذكرون حين أقدم صاحب إحدى وكالات السفر والسياحة على ذبح ثور أمام مكتبه في قلب السوق العربي بالخرطوم.. احتفالاً بإقالة المدير العام للحج والعمرة المطيع محمد أحمد.. بعد أن دخل الأخير في صراع مع عدد من أصحاب الوكالات.
0 أن أزمة عام 2011 تعتبر من أبرز المحطات في هذا الملف.. عندما أصدر وزير الإرشاد والأوقاف آنذاك أزهري التجاني قراراً بإيقاف مدير هيئة الحج والعمرة أحمد عبدالله وإحالته إلى التحقيق.. وذلك عقب إثارة لجنة برلمانية عدداً من الملاحظات حول أداء الهيئة.. شملت مخالفات وتجاوزات عدة من بينها تسرب تأشيرات الحج.. والفروقات في أسعار العملة ومنح امتيازات لبعض قيادات الهيئة.. إلى جانب قضايا متعلقة بالتأمين والرسوم الوقفية.
0 تكمن أهمية أزمة 2011 في طبيعة الاتهامات التي ظلت تطارد الحج والعمرة حتى اليوم.. في سنوات خلت كان اسم المطيع محمد يتصدر عناوين الصحف.. وحاضراً بقوة في النقاشات سواء في البرلمان أو وسط وكالات السفر والسياحة.. وظهرت خلال حقبته انتقادات تتعلق برسوم الحج وطريقة إدارة الحصة وعلاقة الهيئة بالوكالات.. وبعض الإجراءات المالية والإدارية إضافة إلى الجدل حول ما عرف بحج الدستوريين وتوزيع فرص الحج وهي أزمة متجددة.
0 شكلت لجنة تحقيق رسمية في ذلك الوقت للنظر في الاتهامات وانتهت بعد التحقيق مع المطيع إلى عدم وجود أدلة تثبت التجاوزات المنسوبة اليهم.. وتكررت القصة فقد وجه الرئيس البرهان بتشكيل لجنة تحقيق أخرى طالت الأمين العام الأسبق للحج والعمرة سامي الرشيد.. ووضع أمام طائلة الاتهامات والتحقيقات قبل أن تنتهي القضية إلى تبرئته.. وبالتالي إذا كانت لجان التحقيق عجزت عن إثبات تلك الاتهامات وانتهت في الحالتين إلى عدم ثبوت التجاوزات فلماذا استمرت الضجة حول الحج والعمرة؟ الإجابة الحقيقية خلف هذه القضية تفاصيل تقود إلى المملكة السعودية وهو ما ستجده نهاية هذه الزاوية.
0 إذا وضعنا أسماء الأشخاص جانباً سنجد أن مضمون الصراع يتكرر بصورة دائمة.. من حديث عن التأشيرات والحصة ومرة عن الرسوم والتكاليف والفروقات المالية.. وتارة عن التأمين الذي يدفعه الحاج ومرة عن أموال الأوقاف والرسوم ذات الصلة بالخدمات.. وأحياناً عن علاقة المجلس بوكالات السفر والسياحة. ومرة عن امتيازات المسؤولين والدستوريين.. ومرة عن صلاحيات الوزير في مواجهة الأمين العام.
0 هذه الملفات وإن اختلفت تفاصيلها من موسم إلى آخر.. تشير إلى مشكلة واحدة أكبر واخطر وهو صراع النفوذ حول المال.. حيث يكون من السهل تحميل مسؤول بعينه مسؤولية الأزمة.. ثم إعفاؤه وتعيين شخص آخر مكانه.. لكن تظل الأزمة قائمة ويجد الشخص الجديد الوزير أو الأمين العام نفسه عاجلاً أم آجلاً داخل حلبة الصراع ومن خلفهما اقلام تستثمر في الأزمة.
0 ان الإعفاءات التي تتم أشبه بتغيير اللاعبين بينما تظل قواعد اللعبة كما هي.. وهذا ما ينبغي أن تنتبه إليه حكومة كامل إدريس.. لسنا في حاجة إلى إعادة إنتاج تجربة الإنقاذ في إدارة الملف.. أي انتظار تفجر الخلاف ثم البحث عن كبش فداء أو إعفاء مسؤول.. أو نقل مسؤول آخر ثم الاعتقاد بأن الأزمة انتهت.
0 خطورة هذه الأزمة أن الحاج السوداني يدفع أموالاً كبيرة.. مقابل خدمة يفترض أن تكون محددة وشفافة ومنضبطة.. وهذا ما لم يحدث في أي موسم ولو تم الزعم من وزير أو أمين بنجاح الموسم.. الغريب في الأمر أن المفترض في مجلس الحج والعمرة باعتباره جهة حكومية أن يكون فوق الشبهات.. ولذلك فإن أي حديث عن فروقات مالية أو رسوم غير واضحة.. أو تأشيرات أو امتيازات أو تأمين أو آليات توزيع الحصص.. يضاعف من حجم الشكوك. والأمر لا يتوقف عند موسم بعينه.. حيث تتكرر في كل موسم في ظل غياب الثقة بمجلس الحج والعمرة ولذلك يظل مادة خصبة للشك والجدل.
0 سيطرح البعض بعد قرار إعفاء الوزير والأمين العام.. سؤالاً غير مفيد من سيأتي بعدهما؟ على الحكومة أن تتعامل مع قرار إلاعفاء باعتباره بداية عملية إصلاح حقيقية.. والتحدي الحقيقي في بناء المؤسسة وليس ترشيح شخص تسارع أقلام لها مصلحة وتصفه بالمناسب.. وتبدأ المعالجة بإعادة تأسيس القطاع على قواعد مختلفة.. وليس مجرد تغيير في الأسماء أو الأشخاص او بتبعيته لمجلس الوزراء وهو أمر سنعود إليه لاحقاً.
0 يحتاج القطاع إلى مراجعة شاملة لهيكله القانوني والإداري.. وتحديد واضح للجهة المسؤولة عن وضع السياسات.. والجهة التي تتولى تنفيذها ومراقبتها.. ومن يحدد رسوم الخدمات ويدير أموال الحجاج، وينظم العلاقة مع وكالات السفر والسياحة.. ويراقب التأشيرات والحصص.. كما يجب تحديد حدود سلطة الوزير وسلطة الأمين العام، والجهة التي تملك حق التدخل والفصل عند نشوء خلاف بين هذه المستويات.
0 كما يجب إنشاء منظومة رقابة مالية وإدارية مستقلة وصارمة.. مع إعلان الرسوم والخدمات التي يدفع الحاج مقابلها بصورة واضحة وشفافة.. وضمان أن تكون الحصص والتأشيرات والإجراءات محكومة بمعايير معلنة ودقيقة، لا تترك مجالاً للامتيازات أو التدخلات.. بذلك يتحول التغيير من تبديل للأشخاص إلى إعادة تأسيس حقيقية تضع المسؤوليات في مواقعها.. وتغلق مساحات التضارب والتدخل.. وتجعل خدمة الحاج هي المعيار الأساسي لعمل القطاع.. لكن تكمن كلمة السر في ملف الحج والعمرة فيما يجري خلف الأبواب المغلقة من الوفد السوداني عندما يصل السعودية.. حيث تدار مفاوضات بعيداً عن الأضواء.
0 ومهما يكن من أمر.. فإن إزاحة الستار عن تلك التفاصيل تفسر سبب الصراع.

الجمعة 7 أغسطس 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!