عميد شرطة (م) عمر عثمان يكتب: المسيّرات.. هل تجبر الجيش على الاستسلام ؟

0 مع تطورات الحرب في السودان، تسعى المليشيا المتمردة إلى تغيير قواعد الاشتباك، مستغلة الطائرات المسيّرة لتوسيع دائرة الهجوم واستهداف المدن الآمنة التي ما تزال تحت سيطرة الدولة.
0 خطوة تهدف إلى تشتيت الجيش السوداني والضغط عليه نفسياً وعسكرياً، وربما خلق شعور لدى الناس بأن الدولة تتهاوى أو أن الجيش يوشك على الانهيار.
0 لكن السؤال الجوهري: هل هذه الهجمات قادرة فعلاً على دفع الجيش نحو الاستسلام أو القبول بتفاوض غير مشروط ؟
الجواب، عند النظر بتمعن إلى المشهد، هو لا. ليست فقط “لا” من باب التفاؤل أو التحليل العاطفي.
0 بل “لا” تستند إلى معطيات واضحة وتجربة عملية أثبتت أن هذا الجيش ليس جيشاً طارئاً جاء من فراغ، بل هو مؤسسة وطنية راسخة، تمتد جذورها في المجتمع، وتنهل من عقيدة عسكرية دفاعية تأسست على حماية الأرض والناس، لا على التهافت خلف الحلول الرخيصة.
0 طوال أشهر الحرب، واجه الجيش موجات من التحديات، لكنه ظل متماسكاً، قادراً على إعادة التموضع والمناورة دون أن يفقد بوصلته أو روحه المعنوية. هذه ليست مصادفة، بل نتاج عقل مؤمن بقضيته.
0 ولعل في عبارة جمال عبد الناصر ما يُعبّر عن ذلك بوضوح: “الانتصار لا يصنعه السلاح فقط، بل تصنعه العقول المؤمنة بعدالة قضيتها.”
المليشيا وداعموها يراهنون على نقل المعركة إلى مدن جديدة، توسيع الجبهات، ونقل الضغط إلى الولايات، وهم يظنون أن الجيش سينهار تحت هذا العبء.
0 لكنهم يتجاهلون أن هذا التوسع أيضاً يرهقهم، ويقودهم إلى مدن وقري رافضة لوجودهم، والدليل الصارخ هو ذلك الهروب الجماعي للسكان من أي مدينة أو قرية تطأها أقدامهم. الرفض الشعبي هنا لا يحتاج إلى تحليل، هو بيان يومي يُقرأ في ملامح الناس وفي اتجاه سيرهم المعاكس تماماً للمليشيا.
0 أما الحديث عن تفاوض غير مشروط، فيبدو بعيداً عن الواقع. فالجيش لم يغلق باب التفاوض من حيث المبدأ، بل ذهب في بدايات الحرب إلى جدة والتزم بما تم الاتفاق عليه هناك. أما من نكص ونقض وتراجع واستغل الهدن لإعادة التموضع وفتح الجبهات مجدداً هي المليشيا، لا الجيش.
0 وبالتالي، لا يمكن الآن أن يُطلب من الجيش القبول بمساواة ظالمة بين دولة شرعية ومليشيا متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ربما تختصر كلمات عبد الرحمن الكواكبي المشهد حين قال: “أخطر أعداء السلام هم أولئك الذين يستخدمونه سلاحاً لخداع خصومهم.”
0 أما ما يمكن للجيش قبوله الآن هو تفاوض حول آليات استسلام المليشيا، وتجميعها خارج المدن، إلى حين تسوية أوضاعها قانونياً وفق القوانين المحلية والدولية. وما سوى ذلك، هو عبث يُلبس الخيانة ثوب الحل السياسي.
0 رغم كل المآسي التي تعيشها المدن المحاصرة أو التي تعرضت الى القصف، فإن سلوك المليشيا الوحشي قد عاد بنتائج عكسية، حيث بدأ التفاف الناس حول الجيش يتزايد، باعتباره المؤسسة الرسمية التي تقف في وجه هذا العدوان. ومن سخرية الأقدار أن المليشيا، من حيث لا تدري، أصبحت تخدم الخطاب الوطني للجيش.
0 الحروب لا تُحسم بالطائرات المسيّرة، ولا بمقاطع الرعب، بل بمن يملك النفس الطويل، والسيطرة على الأرض، والرؤية لما بعد النصر. وفي حين أن الجيش، رغم كل الظروف، ما زال يملك هذه المقومات، فإن الطرف الآخر لا يملك سوى مشروع الخراب.
0 إن استهداف المدن السودانية بالمسيرات لن يُضعف عزيمة الجيش، ولن يُرهق صمود هذا الشعب، بل يزيد القناعة بأن ما يجري ليس مجرد صراع سياسي، بل معركة بقاء. معركة بين وطن يريد أن يعيش، ومليشيا لا تجيد إلا القتل والتشريد. وهذا الوعي، وحده، كفيل بأن يُبقي جذوة المقاومة متقدة، وأن يُفشل كل محاولات فرض الأمر الواقع.




