رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: حول المجلس السوداني السعودي

 

0 أن توقيع السودان والمملكة السعودية أمس وثيقة إنشاء مجلس التنسيق المشترك.. يمثل واحداً من أهم الإنجازات التي تحققت للحكومة منذ عام 2019.. وربما يكون من أكثرها قابلية للتحول إلى نتائج ملموسة إذا أحسنت الحكومة التعامل معه.. وكما قالت وزارة الخارجية السعودية إن المجلس سيكون منصة مؤسسية فاعلة لتطوير العلاقات الثنائية، وإطارا يجمع الجهات المعنية من البلدين للعمل على مخرجات ملموسة من خلال مبادرات ومشروعات ومستهدفات واضحة.. هنا تكمن أهمية الخطوة حيث يفترض تكوين آلية لتحويل العلاقات السياسية إلى عمل ومشروعات ونتائج.
0 الذي تحقق مع المملكة يحسب بدرجة كبيرة للدبلوماسية الرئاسية.. التي قادها الرئيس البرهان خلال السنوات الماضية. ورغم أن الرئيس السابق البشير كانت له علاقة قوية ومباشرة مع القيادة السعودية.. وكانت الخرطوم والرياض في حالة تقارب بشأن العديد من الملفات.. خصوصاً في السنوات الأخيرة من حكمه فإن الدبلوماسية الرئاسية في عهد البرهان نجحت في نقل العلاقة إلى مرحلة مختلفة.. من علاقة سياسية قوية إلى محاولة بناء مؤسسة دائمة لإدارة المصالح المشتركة.. ويعتبر ذلك في حد ذاته إنجازاً كبيراً خصوصاً في ظل الحرب والظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي يمر بها السودان.
0 اعجبتني الاشارة الذكية من سفير السودان لدى المملكة دفع الله الحاج علي.. إلى مسألة مهمة وهي أن السودان أصبح الدولة رقم (28) التي ترتبط بالمملكة بمجلس تنسيق.. معتبراً أن ذلك يعكس المكانة التي يحظى بها السودان في رؤية المملكة لعلاقاتها الدولية.. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها فالسعودية اتجهت إلى إنشاء هذه المجالس كأداة لإدارة علاقاتها الاستراتيجية مع الدول المهمة بالنسبة إليها وتحويل العلاقات السياسية إلى مشروعات عمل محددة.
0 إن دخول السودان ضمن هذه المنظومة يحمل رسالة إيجابية ان الرياض ترى أن العلاقة مع الخرطوم تستحق الترفيع.. لا سيما بالنظر الى التحولات التي شهدتها المملكة وفق رؤية 2030 التي تربط العلاقات الخارجية بالاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة والتقنية واللوجستيات والثقافة والأمن.. وتقوية موقع المملكة الجغرافي وإشراك القطاع الخاص وبناء الشراكات الدولية.
0 مضت الرياض بقوة في مشروعها
ونجد مجلس التنسيق مع مصر أنشئ في 2015 وحقق نجاحاً باهراً.. وقع نحو 70 اتفاقية وبروتوكولاً ومذكرة تفاهم بين البلدين.. وبرنامج لتنمية شبه جزيرة سيناء مما دفع قيادة البلدين لتأسيس مجلس تنسيق أعلى بقيادة الأمير محمد بن سلمان والسيسي.. اما مجلس التنسيق السعودي التركي قطع شوطاً في مجالات الاقتصاد والتجارة والطاقة والزراعة والتقنية والدفاع والأمن وظلت اجتماعاته راتبة منذ إنشائه.
0 حتى المجلس السعودي الكازاخستاني الذي لم يمض على إنشائه سوى أشهر وتزامن مع التوقيع على قيامه ميلاد اتفاقيتين في (التعدين والمعادن الحرجة والطاقة) و(تشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات).. لأن المستثمر يحتاج قبل أن يضخ أمواله إلى معرفة أن استثماره محمي قانونياً والحكومة كذلك تحتاج لحماية مصالحها.. وما احوج السودان لطمأنة رجال الأعمال السعوديين خاصة بعد تجربتين مريرتين للوليد بن طلال والشيخ الراجحي
0 ويلقي المجلس كذلك على الحكومة السودانية التزامات كبيرة لأن السعودية لديها جهاز دولة حقيقي.. فالمتابع لجلسات مجلس الوزراء السعودي يرى قرارات رسمية.. بالموافقة على محاضر إنشاء مجالس التنسيق وتفويض وزير الخارجية بالتوقيع أو تفويض الوزير المختص بالتباحث والتوقيع.
0 أما في السودان لدينا أمثلة كثيرة تجعل الحذر واجباً والاعتبار من التجارب فزيارة الرئيس التركي رجب أردوغان إلى الخرطوم نهاية 2017 انتهت بتوقيع 22 اتفاقية في يومين.. وتحدث الجانبان وقتها عن رفع حجم التجارة إلى عشرة مليارات دولار.. واتفاقيات عديدة مع الصين لكن للأسف لم تتحول إلى واقع.. فالمشكلة في القدرة على تنفيذها وتزايد حجم التعقيدات..
0 أمام الحكومة الآن فرصة كبيرة لكن المطلوب هو عدم ترك المجلس لوزارة الخارجية وحدها.. وتنظيم العمل في ستة ملفات “ملخص لعمل المجالس مع الدول”.. الملف السياسي والدبلوماسي، الاقتصادي والاستثماري، التجارة والنقل واللوجستي، الطاقة والتعدين والموارد الطبيعية التنمية البشرية والتي تشمل الثقافة والسياحة.. واخيرا الملف الأمني والدفاعي وهو غاية في الأهمية لا سيما أن السودان أصبح من الدول المؤسسة للتحالف البحري الدفاعي وأن البلدين يرتبطان بأمن البحر الأحمر ومصالح استراتيجية مباشرة فيه.
0 لذلك أرى أن أهم قرار يجب أن تتخذه الحكومة هو رفع درجة الاهتمام بالمجلس إلى أعلى مستوى.. وتكليف فريق عمل مهني ومستمر بمتابعته وامامه مصفوفة.. وربط عمله مباشرة بمجلس السيادة ورئاسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية والوزارات الاقتصادية المعنية.. يعرف ماذا يستطيع السودان أن يقدم.
0 إذا كانت المملكة هي الشريك الذي نريد أن ننتقل معه إلى مرحلة استراتيجية جديدة.. فإن سفارة السودان في الرياض يجب أن تكون واحدة من أهم بعثات السودان في العالم من حيث الموارد والكفاءات.. وان تدعم بكوادر إضافية قوية وفاعلة خصوصا في الاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والقانون والإعلام.. وأرى ضرورة وجود وحدة متخصصة لمجلس التنسيق داخل السفارة تعمل على مدار اليوم وتتابع الملفات مع الوزارات والجهات السعودية، وتربطها مباشرة بفريق المجلس في الخرطوم.
0 هناك مسألة تحتاج ان نتحدث عنها بصراحة وهى أن العلاقة مع السعودية يجب ان تتجاوز طلب الدعم والإغاثة والتمويل.. السعودية اليوم دولة استثمارية كبرى وصاحبة صناديق وشركات ومشروعات عالمية، وتبحث عن الفرص والأسواق والشراكات.. والسودان لديه ما يمكن أن يقدمه في المقابل.. في الزراعة والثروة الحيوانية والموانئ.. الذهب والمعادن والطاقة والأسواق والموقع الجغرافي.
0 ومهما يكن من أمر.. السعودية فتحت الباب.. وأمام السودان فرصة نادرة بشرط ألا يكرر أخطاء الماضي

الثلاثاء 14 أغسطس 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!