أسامه عبد الماجد يكتب: الفاتيكان والشعب (جعان)

0 تمثل زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس إلى الفاتيكان حلقة جديدة في سلسلة من الجولات الخارجية العبثية.. التي اتسمت منذ بدايتها بالتخبط وضعف الإعداد وغياب أي رؤية واضحة.. زيارات استعراضية لم تضف للبلاد شيئاً يذكر في وقت غارقة في الحرب وتعيش أزمة اقتصادية وشلل خدمي.. ويعاني المواطن تحت وطأة الجوع والنزوح وانعدام الخدمات الأساسية.
0 ما الذي يمكن أن يجنيه السودان سياسياً أو اقتصادياً أو حتى إنسانياً من زيارة الفاتيكان في هذا التوقيت ؟.. وكل الزيارات باهتة وليست أولوية لدولة تستنزف مواردها يومياً بالعدوان.. لن تحمل الزيارة أي قيمة عملية.. ولن تتجاوز حدود الصور التذكارية والابتسامات البلهاء والعبارات الإنشائية المكررة التي اعتاد كامل ترديدها.
0 الفاتيكان كيان ديني وروحي يمتلك تأثيراً أخلاقياً ورمزياً.. لكنه ليس مؤسسة قادرة على إيقاف الحرب أو إنقاذ الاقتصاد السوداني المنهار.. أو تمويل جهود إعادة الإعمار أو معالجة الاوضاع الإنسانية المتفاقمة.. كما أن موقف بابا الفاتيكان من الحرب في السودان ظل طوال الفترة الماضية باهتاً وخجولاً.. وعاجزاً عن ممارسة أي ضغط حقيقي رغم الجرائم الموثقة.. التي طالت المدنيين ودور العبادة والمؤسسات الدينية.
0 قام البابا الشهر الماضي بأول جولة أفريقية له استمرت أحد عشر يوماً.. شملت الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية.. رغم أن عدد المسيحيين في السودان يفوق عددهم في الجزائر.. ومع ذلك لم تتضمن خطاباته خلال الجولة أي إشارة إلى معاناة السودانيين.. إن أي محاولة لتصوير الزيارة كاختراق دبلوماسي كما اعتاد كامل وشلته من (الكتاب الهتيفة) مع كل رحلة خارجية فاشلة لا تعد سوى محاولة بائسة لصناعة بطولة إعلامية وهمية.. في ظل انعدام أي إنجاز ملموس على الأرض.
0 المشكلة الحقيقية لا تكمن في زيارة الفاتيكان وحدها.. بل في النهج المرتجل والفردي الذي تدار به جولات كامل الخارجية.. فهو يتحرك بلا رؤية دولة ولا تنسيق حقيقي مع الأجهزة المختصة.. ويدير السياسة الخارجية بعقلية العلاقات العامة والأصدقاء.. في زيارته السابقة إلى جنيف كرر المشهد نفسه بصورة مثيرة للشفقة.. لقاءات ” أي كلام” مع مسؤولين أمميين سبق أن زار معظمهم السودان دون أن يحققوا أي اختراق حقيقي.
0 التقى المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الذي زار السودان واستمع للضحايا والنازحين بمعسكر الدبة.. ثم خرج بمواقف باهتة في مؤتمر صحفي تافه ببورتسودان لا يرقى إلى حجم المأساة.. كما اجتمع بمسؤولي منظمة الصحة العالمية.. وقد اعلن مديرها قبل وصول كامل لجنيف عن عدم القدرة التعامل مع الاوضاع في السودان نسبة لعجز المنظمة المالي الحاد بسبب توقف التمويل الأمريكي بأمر ترمب.. والحال ينسحب على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة
0 لم تحقق اي زيارة لكامل أي شئ مجرد بيانات إنشائية فضفاضة وحديث مكرر عن السلام والدعم الإنساني.. دون التزامات فعلية أو مشاريع حقيقية أو نتائج قابلة للقياس.. أما القاهرة التي زارها مرتين في أغسطس 2025 ثم فبراير الماضي فقد تحولت الزيارة الثانية تحديداً إلى نموذج حقيقي للفشل وسوء ترتيب الأولويات.. وبدلا من أن تخصص لمعالجة قضايا السودانيين في مصر ومشكلات الإقامة والتعليم والعلاج والتبادل التجاري.. انحرفت بالكامل نحو ملفات أمنية وإقليمية مرتبطة بمياه النيل وإثيوبيا.
0 كان من الممكن التعامل مع هذه الملفات عبر القنوات الاستخباراتية والدبلوماسية المختصة.. دون تحويلها إلى محور زيارة رئيس الوزراء الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة الخلافات الإقليمية.. وفتح جبهات دبلوماسية جديدة دون مراعاة كافية للعواقب.. قام رئيس الوزراء اللبناني بزيارة مصر قبل كامل لم يتم التطرق إلى قضايا سياسية تتعلق بحزب الله أو إسرائيل.. وتوج زيارته الناجحة بتوقيع (15) اتفاقية وهكذا رجال الدولة.
0 أما زيارة جيبوتي في يناير الماضي فكانت مجرد رحلة أنفقت عليها الحكومة موارد دون أي مردود سياسي أو اقتصادي.. فيما كشفت زيارته لإريتريا عن حقيقته كناشط سياسي لا أكثر حين انغمس في الهتاف والتمجيد للرئيس أسياس.. متناسياً تماماً مسؤولياته كرئيس وزراء.. أما زيارته للسعودية فقد تحولت إلى فضيحة سياسية وإدارية بعد أن اتضح عدم وجود دعوة.. وأصبح موضع سخرية واستهجان واسع حتى داخل الأوساط الرسمية.. المحصلة النهائية لكل هذه الجولات صفرفلا أثر لها على مجرى الحرب.. ولا تحسن في الاقتصاد المنهار ولا عودة للخدمات ولا تدفق للدعم الدولي.. ولا أي حلول حقيقية خففت من معاناة السودانيين سواء في الداخل أو في دول اللجوء.
0 الأخطر من كل ذلك أن كامل يواصل كل يوم تجريد الحكومة من بقايا ملابس الهيبة – التي أصلاً مهترئة – وحول عمل الدولة إلى حملة علاقات عامة لتمجيد ذاته.. يدير الملفات من خلال دائرة ضيقة من المستشارين عديمي الخبرة والكفاءة.. ويقصي الوزراء والمؤسسات المختصة وأصحاب الكفاءات الحقيقية.. قراراته فردية ومرتجلة، وتحركاته لا تحكمها رؤية دولة، بل الشلليات والانطباعات الشخصية ورغبته في الظهور الإعلامي.
0 ان بلادنا التي تواجه حرباً وجودية تحتاج إلى قيادة جماعية متماسكة.. وإلى مؤسسات تعمل بتناغم وانضباط.. وإلى وضوح في الرؤية والخطاب السياسي.. ما قيمة اللقاءات الرمزية بينما الكهرباء منهارة والمستشفيات تعاني والمياه منقطعة والعملة تتهاوى والمواطن يسحق يومياً تحت وطأة الأزمة؟.. كان الأجدر برئيس الوزراء أن يوجه جهده نحو الداخل.. بدعم الجهاز التنفيذي بوزراء على قدر التحدي.. لمعالجة الانهيار الاقتصادي.. بناء غرفة تنسيق حقيقية لإدارة الحرب دبلوماسياً.. وتحريك مؤسسات الدولة المعطلة.
0 لا أحد يعارض الانفتاح الخارجي أو التحرك الدبلوماسي من حيث المبدأ.. لكن أي زيارة خارجية يجب أن تبنى على أهداف دقيقة وبرامج واضحة ومخرجات قابلة للقياس والمحاسبة.. وأن يشارك فيها الوزراء والخبراء المختصون وفق طبيعة الملفات المطروحة.. بدلا من استنزاف موارد الدولة وزيادة غضب وإحباط الرأي العام.. البلاد لا تحتمل الإدارة المرتجلة ولا المزيد من الجولات الدعائية الفارغة.. فالدولة تمر بأخطر مراحلها منذ عقود ولذلك بحاجة إلى قيادة حقيقية
0 ومهما يكن من أمر.. أثبت الواقع عجز إدريس وتقصيره في واجباته.. فهو لا يدرك احتياجات الشعب ولا يشعر بآلامه.. فما الذي يمكن أن نرجوه منه؟
الأحد 10 مايو 2026
osaamaaa440@gmail.com




