رأي

أسامه عبد الماجد يكتب: الاقتصاد المفكك

 

0 سارعت قوات الجمارك إلى نفي الشائعة التي راجت أمس بشأن إجراء تعديل على سعر صرف الدولار الجمركي.. في وقت تعتبر فيه سياسات الجمارك تحت قيادة مديرها الفريق شرطة صلاح أحمد.. واحدة من العوامل التي أسهمت في تدهور قيمة الجنية السوداني وكذلك أداء وزيري التحول الرقمي أحمد غندور والتجارة والصناعة محاسب يعقوب نُزل.. ويبدو أن ثلاثتهم يتقنون بدرجات متفاوتة فن الحديث عن الإنجازات أكثر من معالجة الأزمات.
0 ابهرت الجمارك الرأي العام خلال الأسابيع الماضية.. بإعلانها تحقيق الربط المالي الذي قدرته وزارة المالية لشهر يونيو الماضي.. بنسبة بلغت 99.40% وهي نسبة تكاد تذكرنا بنسب الفوز الكاسحة التي اعتدنا سماعها في انتخابات الرئاسة ببعض دول العالمين العربي والأفريقي !!.
0 وصفت الجمارك نتائج الربط بأنها إيجابية ومتميزة وتعكس كفاءة الأداء.. ذكرتني إلى حد كبير الأخبار التي تنشرها هيئة المواصفات والمقاييس في الصحف الإلكترونية.. المشحونة بقدر كبير من التجميل الإعلامي.. اما وزيرة الصناعة والتجارة ووزير التحول الرقمي اجتمعا في أواخر الشهر الماضي وأكدا أهمية التحول الرقمي وحوسبة الإجراءات الحكومية ويدعم الاقتصاد الوطني.. حديث جميل لا يختلف كثيراً عن التصريحات التي أطلقها الفريق صلاح.. وتطلقها مديرة المواصفات رحبة لكنه يبقى بعيداً عن الواقع.. وللأسف الواقع بكل تفاصيله يقول شيئاً مختلفاً تماماً ويكشف عن فجوة واضحة بين التصريحات الرسمية وما يحدث فعلياً على الأرض.
0 لا توجد حتى الآن منصة إلكترونية واحدة تربط بين وزارة الصناعة والتجارة والبنك المركزي والجمارك.. رغم أن هذه الجهات يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في الحد من ارتفاع سعر الدولار.. وضبط السوق وتنظيم حركة الاقتصاد وزيادة الإيرادات.. وزارة التجارة دخلت عصر التقنية والتحول الرقمي ولديها منصة إلكترونية.. وكذلك الجمارك لديها أنظمتها الخاصة لكن المشكلة أن كل جهة تعمل بصورة منفصلة عن الأخرى.. ولا توجد منصة واحدة تجمع المعلومات وتربط بينها بشكل مباشر.
0 هذا الانفصال بين المؤسسات يفتح المجال للفساد والتلاعب.. ويضعف الرقابة على حركة الصادرات والواردات وهو ما يؤثر في تدفق العملات الأجنبية وسعر الدولار.. وبالتالي ينعكس على الأسعار وحياة المواطن.. نحن بحاجة إلى منصة إلكترونية موحدة تربط هذه الجهات ببعضها.. وتتيح تبادل المعلومات بصورة سريعة وشفافة حتى تعرف الحكومة حجم الصادرات والواردات.. وحركة الأموال والعملات وتتمكن من متابعة السوق واتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب.. وليس علي طريقة كامل ادريس باسناد لجنة اقتصادية لوزير الدفاع.
0 ما يحدث اليوم من ارتفاع مستمر في سعر الدولار والأسعار.. لا يمكن مواجهته بقرارات منفصلة.. مايجري أمراً خطيراً قد يؤدي لخروج المواطن الى الشارع.. .. نحتاج إلى ربط مؤسسات الدولة ببعضها واستخدام البيانات والتقنية بصورة صحيحة قبل أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها سعر قطعة الخبز الى الف جنيه.
0 قد لا تصدق عزيزي القارئ أن وزارة التجارة قبل أن تضم إلى الصناعة وتسلم مفاتيحها للسيدة محاسن.. كان بها ماعرفت بالنافذة الموحدة القومية وهي فكرة عظيمة الاثر أن تأتي الحكومة كلها إلى المواطن في مكان واحد.. وكانت تضم الجمارك، المالية، الزكاة، الضرائب، الشركات والهيئات ذات الصلة.. وقد وقف على هذه التجربة الناجحة الوزير السابق د الفاتح عبد الله الذي عمل على اختصار الطريق أمام المصدر والمورد لتقوية الاقتصاد.. وربما لذلك اقيل وجئ بامثال (محاسن) لتخلف وراءها (مساوي) أضرت بالاقتصاد حيث الغت النافذة بجرة قلم.
0 وأصبح المصدر أو المورد ينجز إجراءاته في وزارة التجارة.. ثم يحمل أوراقه وينطلق بها في رحلة بين المؤسسات المالية والضرائب والجمارك.. والأكثر إثارة للسخرية أن كل ذلك يحدث بينما لا يكاد يمر يوم من دون حديث عن التحول الرقمي.. لكن يبدو أن الرقمنة عندنا لها تعريف مختلف.. صحيح ان التحول الرقمي وصل إلى الوزارات لكنه لم يصل بعد إلى الموظف الذي يطلب منك نسخة من الورقة التي أرسلتها إلكترونياً.
0 التحول الرقمي الذي لم يحققه الوزير احمد غندور هو ربط المؤسسات وتبادل البيانات.. وإلغاء الإجراءات المكررة وتقليل الاحتكاك المباشر.. وإغلاق النوافذ التي تتسلل منها رياح الفساد والتلاعب.. أما أن نغلق النافذة الموحدة ثم نتحدث عن تسهيل التجارة.. وتحسين بيئة الاستثمار فهذه ليست إصلاحات بقدر ما هي سيناريوهات جديدة للمتاعب.. وبعد ذلك كله نسأل بكل براءة لماذا تتعقد الإجراءات؟ ولماذا لا تتحسن بيئة الأعمال؟.
0 تبدو الصورة زاهية وكأن وزير التحول الرقمي هو الجواد الرابح الذي يستحق الإشادة.. على شاكلة أنه لم يصل إلى المنصب محمولاً على حضور سياسي صاخب أو شعارات سبقته.. ولم تدفع به إلى موقع المسؤولية رافعة قبلية.. رغم أن عشيرته الكريمة أقامت له احتفالاً ضخماً بمناسبة استوزاره.. على كلٍ ما نريده في نهاية المطاف هو مسؤولون يعملون من أجل المواطن.. ويثبتون بأدائهم أنهم وصلوا إلى مواقع المسؤولية بصورة طبيعية ومستحقة.. لا أن يدفعونا إلى الشك في أنهم وصلوا إليها لتحقيق مصالح من رشحهم أو دفع بهم إلى المنصب.
0 ومهما يكن من أمر.. المعيار الحقيقي أن يكون انحياز المسؤول إلى الشعب وخدمة مصالحه.. ولو كان تاريخه معروفاً بوصفه مجاهداً سابقاً في الجنوب.. أو حتى مدعياً للثورية في ميدان الاعتصام.

الخميس 3 سبتمبر 2026
osaamaaa440@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!